منتدى أيامنا • مشاهدة الموضوع - يوم ارتحل الجنوبي الى بغداد...غريباً...؟
      مرحبا بك عزيزي في منتدى أيامنا ، ندعوك إلى التسجيل في الموقع ، التسجيل مجاني و لن يأخذ من وقتك إلا دقائق قليلة . للتسجيل اضغط هنا
   

يوم ارتحل الجنوبي الى بغداد...غريباً...؟

المقالات التي تعالج اوضاع وحالات استثنائية تدعوا الضرورة لتحرير مقالات بشأنها

المشرف: الهيئة الادارية

يوم ارتحل الجنوبي الى بغداد...غريباً...؟

مشاركةالأحد يونيو 12, 2016 11:26 am



أنها رحلة الاغتراب الاولى لذلك ..الشروگي.. المقهور نحو المدينة البعيدة بغداد وهو يحمل، قلقه. ،وحزنه، والامه، واماله، ونزقه، انها حكاية ماضي لم يغادر حاضره وحكاية العراقي الذي لم تتوحد شخصيته في اطارها الوطني العراقي بعد....؟ 

لم تمض على نشوء الدولة العراقية الا سنوات معدودات حتى اصبحت بغداد قبلة الحالمين من الفقراء والمعدمين والباحثين عن حياة اخرى مختلفة وفرص محتملة للعيش الكريم من مختلف الانحاء العراقية.. بغداد تلك المدينة الساحرة وجد فيها ابناء الاطراف البعيدة أرض الاحلام البهية والاماني الحلوة التي من اجلها ترخص التضحية وتهون مفارقة ارض الاجداد والاباء والعشيرة نحو الحلم بالحرية وبزاد كريم وفسحة أمان متوارية.. كانوا عراقيين بلاهوية غرباء في وطنهم منبوذين مقهورين تقاذفتهم الاقدار والصدف نحو مصير لم يتوقعوه أنهم الجنوبيون الاوائل أو مايطلق عليهم (الشراگوة ) سكنة الريف الجنوبي العراقي المقهور المملوء بالشقاء والتسلط والعوز والفقر والمرض والفزع والظلم، حيث كان أبناؤه أول المرتحلين الى (العالم الجديد) أفواجاً وجماعات وفرادا . كان ريفاً متخماً بأبناء فائضين فلاحين فقراء وشغيلة هامشيين لامستقبل لهم فيه ولم يعد قادراً على اطعامهم وأكسائهم انهكهم الجوع والمرض والعوز والبطالة في ظل هيمنة وأستغلال شيوخ واقطاعيين وملاك اراضي قساة وجشعين ومستبدين بلا أخلاق ولاضمير يستحوذون على اغلب الاراضي الزراعية ومنتجاتها والكل دونهم بلاكرامة ولااعتبار....الدولة العراقية الجديدة مثقلة بالمشاكل والتحديات وعليها استحقاقات كبيرة والبداية في كل المجالات من الصفر وبالكاد تستدبر مصروفاتها في ظل ميزانية هزيلة تتلظى عجزاً وعوزاً.. بغداد أم العراقيين وقبلتهم، تحملت وزر التحديات الجديدة بوصفها العاصمة الوطنية التي تحمل حلم العراقيين واملهم في بناء وطن ومواطنة بهوية عراقية فتية مستنبتة بروح العراق الجديد، فبغداد في مطلع القرن العشرين بدأت تستجمع بقايا عزمها وتاريخها وثقافتها وتقاليدها صوب اطلالة جديدة ودور ريادي واعد تتجاوز سباتها وعثراتها وعزلتها المديدة، وعليها أن تطرق ابواب البغادة وهم خلف اسوار محلاتهم واطرافهم بشموخم ورقتهم وبغداديتهم وتنادي على كل العراقيين.. لتبدأ الخطوة الاولى في مسيرة المليون ميل .. بغداد تمتد وتتسابق اولوياتها في السير نحو استكمال دورها كعاصمة ومدينة عصرية بمواصفات القرن الجديد، في حين كانت الاطراف البعيدة بمدنها واريافها السقيمة بالكاد تنهض وتستفهم مايدور حولها وماينتظرها. كانت دار السلام على موعد لم تنطق به مع القادمين الجدد من ريف الجنوب، العمارة البصرة الناصرية والكوت.. الذين بدأوا يتقاطرون عليها تباعاً منذ الثلاثينيات بسحناتهم الصفراء وأجسادهم الهزيلة وعيونهم المستطلعة ولهجتم المستثقلة وركبهم المتأخرواَساهم المستديم وهم يحملون جل أمالهم وتطلعاتهم واحلامهم عسى ان تتحقق في بغداد البهية. القادمون من مدينة العمارة وريفها المتفرد أمتلكوا خصوصية وجدان تراثي وثقافي وأعتقادي موغل في حزنه وحسه ونزعة تمرد وتحدي مفتوحة مع شعور داخلي بالضعف والتصاغر امام جبروت الدولة وسطوتها، يحاذيه اندفاع وتطرف في خدمتها ممزوج بالقسوة ازاء من يناوئها لاسيما اولئك الذين استخدمتهم السلطة الملكية في جهاز الشرطة وفروعها والذي جلب على من كان فيه النقمة والحقد والازدراء، لكن اتجاهاً عاماً ظهر بقوة مؤيداً لسلطة 14 تموز وزعيمها بعد انبثاقها ولذلك تناول خاص...؟ كان اهالي بغداد بالذات وغيرهم يطلقون على هذه الفئة القادمة من الريف الجنوبي عموماً وبالذات اهالي ريف العمارة ..الشروگیة.. ومفردها.. شرگاوي.. وربما هي كناية وتسمية لسكنة (جنوب البلاد أو أهل الشرجية) ان الهجرة المكثفة الى بغداد ومضايقة اهالي بغداد وبخاصة اولئك البغادة الذين مازالوا يحتفظون بثقافتهم وبعصبيتهم ورفعتهم وتميزهم البغدادي في محلاتهم المشهورة الشبه مغلقة ومواقع عملهم خلق نفوراً تراوحت تداعياته بين الازدراء والتعالي والعزل والتمايزنحومن تحسه دونها ، ان فكرة توافد غرباء الى مدينة بغداد والسكن في اطرافها وانتشارهم فيها ومزاحمة اهلها احدث ردة فعل وموقف غير ودي ازاء هولاء ( اللامتمدنين)، فاخذوا بنعتهم . بالشراگوة. تحقيراً وتندراً وحطاً لقيمة هولاء (الغرباء الثقلاء) وحوادث اضطهادهم ومضايقتهم والتصادم معهم وأيذائهم أحياناً لاسيما اولئك الذين سكنوا قربياً من من المحلات البغدادية كالفضل وشارع الشيخ عمر والكرخ وبخاصة في مواقع العمل والاسواق وغيرها كانت تتكرر وتتعدد لكنها لم تتحول الى ظاهرة عنصرية عنفية وقد خفت مع مرور الوقت دون أن تغادر اللاوعي، وكان. الشراگوة. يردون على هذا الامتهان والاحتقار بالتحدي والاستخفاف والسخرية من هذا البغدادي الترف والفطير الذي يقبع في داره مرتعداً مع حلول الظلام دون أن يمتلك الرجولة والشجاعة لمغادرة محلته. ان هذا المشهد بمجمله يؤشرعلى غياب مفهوم المواطنة وحسها المسؤول وهو تصادم محتمل في ذلك الوقت بين قيم الريف والمدينة والصراع الاجتماعي القائم على المنافسة الفوضوية في عاصمة لم تستكمل دورها ومقدرتها ومسؤوليتها بعد، في منعطف تاريخي صعب وجديد ترافق مع ضعف النشوء للدولة العراقية كمرجعية وطنية منتظرة. لقد انزوت هذه المجاميع الكبيرة الذي تعد بمئات الالاف في اطراف ودواخل بغداد وكان التجمع الا كبر هو الذي استسكن الرصافة في شرقي بغداد فيما يعرف. بالعاصمة. أوخلف السدة. أو الصرايف.، والاخر في الكرخ غرب بغداد بأسم الشاكرية مع وجود صرائف في شارع الشيخ عمر ومنطقة ساحة الطيران وتل محمد في الرصافة،وفي الكرخ السلچية، والمنكوبين وغيرها.. لقد كانت صرائف واكواخ خلف السدة هي الاكثر والاهم وهي النواة التي اٌنشئت وقامت عليها مدينة الثورة ( الصدر حالياً) أرض المتناقضات ودار العشائر والعصبيات والمعتقدات والتمرد منذ بداية الستينيات عندما وزعت حكومة 14 تموز اراضي مجانية على ابناء الصرائف من ساكني بغداد واطرافها التي كانت اغلبيتهم الساحقة من الجنوبيين.....
، تلك الصرائف حينذاك كانت تمتد خلف سدة ترابية تبدأ من طرف معسكر الرشيد (الرستمية) حتى مجزرة الشيخ عمر وهي سدة بناها الوالي العثماني ناظم باشا في مطلع القرن العشرين لحماية بغداد من الفيضانات وخلف هذه السدة عاش الجنوبيون أو مايطلق عليهم.... الشراگوة..في اكواخ حقيرة من بواري القصب والطين تفتقد الى أدنى المستلزمات التي تليق بالانسان وكرامته ووجوده فلاماء ولاكهرباء ولامرفق صحي اوخدمي انها حياة مريرة ومزرية بين اكوام القمامة والقاذورات زادها سوءاً ركود نهير اسن اسود اللون يترامى امام صرائفها المتهالكة، تنبعث منه روائح كريهة ومنفرة يطلقون عليه اسم (شطيط) وهو مجرى لماء (الصرف الصحي) القذر القادم من بغداد.. تكونت على جوانبه فوائض ماء قذر اشبه ماتكون بالبحيرات الصغيرة الاسنة حيث تسبح فيها قطعان الجاموس في حر الصيف اللاهب فتنزل الفتيات الصغيرات الهزيلات الجسد شبه عاريات لالتقاط فضلات الجاموس لصناعة (المطال) كوقود بيتي في منظر يفطر القلوب، وهذا ماشاهدته بأم عيني. لقد كلف ذلك الارتحال المرير لهذا الشروگي المسحوق في بداية الامر الكثير من المعاناة والتهميش والغربة والكفاح وهو يرحل نحو المجهول نهائياً وبلارجعة وصوت اهله أو من تبقى منهم في ارض الاجداد... يناديه ملتاعاً بلهجة جنوبية مكلومة متوسلاً بذلك (الطارش)المسافر الى بغداد بايصال وصية الاهل الى حسين المتغرب لعله يعود الى ديار الاهل....
..يالرايح البغداد ودي سلامي هلبت يرد حسين ويسمع كلامي گلة البعد چتال واشكيلة حالي....؟
اوذاك الاب المفجوع برحيل ضناه وهو يعاتب بغداد الجميلة التي اغوت ولده بمرارة..

ساعة وتطگ الروح وتطفر دمعتي يابوية يا بغداد شسويتي انتي.. مني خذيت عبيد ألمادرى بونتي... ما ظنة بعد يعود هذي قسمتي .... 
وكان صوت المطربة العراقية الراحلة ..وحيدة خليل.. يتماوج حزيناً مؤثراً مستحثاً ذلك الجنوبي المرتحل بالرجوع الى ارضه, عبر اغنية كانت مشهورة في وقتها روجت لها مؤسسات رسمية واذاعة بغداد بالذات وهي تكرر تقديمها. ومطلع الاغنية يقول " 
طالت غيبتك ياسمر علينة أحنة بشوگ الك يمتة تجينة مكانك ريفنا موش المدينة....؟ 
لكن في كل الاحوال كانت الاستجابة محدودة و متقطعة.. لقد طاب المقام لهذا الجنوبي المقطوع واستطعم العيش المضني في بغداد متحملاً انفة البغدادي الفائضة واستعلائه الجامح وشظف العيش، دون اغرائه بفكرة الرجوع الى منابت الاباء والاجداد... لقد ترادفت في روح هذا الشروگي القلق مااستنبتته عاديات الزمان من عذاب تاريخي وحزن موجع دفين تراوح بين نزعة التمرد والكرامة والغيرة والموت السهل في سبيل قضية لم تستكمل ظروف فهمها وكسبها، وبين جموح منفلت ملتفاً بالجزع والتلون والقسوة والجمود خارج المعايير المستقرة وألمألوفة التي نعرفها.. لقد احاط الجنوبيون الشراگوة انفسهم بنوع من العزلة تجلت بنمط حياة شبه منغلق استقدموه من بيئتهم القصية كثقافة ممزوجة بممارسات وتقاليد استعصى تغييرها وهم يسكنون في صرائف متلاصقة أو،خلف سدة ترابية تمتد الى كيلومترات كانت ساتراً بينهم وبين بغداد الغامضة، تميزهم كان واضحاً سواءاً كانوا طلاباً أوعمال خدمات شرطة اوجيش اوشغيلة بناء والاذن تميز لهجتهم المركبة وهي تلوي الحروف بلكنة جنوبية تفردهم (كشراگوة) لاتبدو مستساغة في أذن الاخرين، لكن دون اغفال الشرائح التي انسلخت عنهم لاحقاً برؤية ومنظور ثقافي متميزدون مفارقة جذورها بلونه الجنوبي ألشرگاوي والتي اعطت لوجه بغداد اشراقة عذبة في الاغنية والشعر والسياسة والرياضة وتركت بصمة واضحة في الجسد البغدادي بيد أن الحصيلة في نتائجها لم تكن في كل الاحوال ايجابية وموفقة رغم التماهي مع الحياة البغداية وتقاليدها زواجاً وعيشاً ومصالح وسكناً ورفقة ودراسة والذي جاء متأخراً بعد التحولات الاقتصادية والطبقية لاحقاً.... بقي الجنوبي طوال اربعينيات وخمسينيات الفترة الملكية يسعى نحو بغداد حالماً في تغيير وضعه كما حلم من سبقوه فأظهر تفانياً ورغبة جامحة في تبديل وضعه فأقتحم اشق الاعمال المزرية وأثقلها التي اعرض عنها ابناء بغداد المترفعون هو ونساؤه واطفاله بجلادة وكفاح ملفتين، ورغم ان تغيرات طفيفة طرأت على الحال في بيئته الجديدة، لكن الغربة الداخلية والشعور بالتهميش والتفرد والتغرب والعيش المضني بقيت تلازمه كظله وهو يبحث وينتظر ملهم ومخلص يترسم خطاه بعد أن استثناه التفكير الرسمي من مهمة تغيير حياته والاخذ بيده ..! ولم يبق له سوى هامش ضيق من الحياة تجاوزه صلف السياسة واسثناه التطور بكل قباحة مهملاً فقيراً ،جاهلاً، قابعاً خلف مستعصماته في بغداد غير ابهاً بما يجري حوله، فحياته لم تتبدل وامله في التغيير مؤجلاً مستعيناً بصبره وقنوطه وتأمله، بيد ان الزلزال الذي احدثته ثورة الرابع عشر من تموز 1958قلب كل الموازين والتوقعات، فأيقظ ذلك الشروگي من سبات صبره وعزلته وتهميشه متحسساً بفطرته انه ينتمي الى هذا العهد الجديد.. لقد تفاعل مع تموز الحدث وموجة اليسار المتلاطمة وأحب زعيم التغيير عبد الكريم قاسم الى حد التماهي الروحي والتقديس ، وماهي الا سنوات متعثرة حتى وجد نفسه امام منعطف جديد مؤلم وموجع، يوم ايقظه صخب وعنف الانقلابين الجدد في صبيحة الثامن من شباط 1963 وهم ينقضون بوحشية على دولته وزعيمها...! لقد هزه هذا الانقلاب المباغت وايقظ في روحه اجيج المقاومة في اعنف صورها دفاعا عن جمهوريته وقائدها عبد الكريم قاسم ، لقد أيقن في تلك اللحظات الفاصلة أن احلامه واماله سحقت ومشروعه الذي راهن عليه وتفاعل معه تهاوى وتلاشى وهاهوقد عاد نحو عزلته وغربته وانكساره تنساب دموعه مع كل نغم حزين وكلمة مرهفة. ان اللوعة التاريخية التي كابدها ذلك الشروگي المغترب وتواصل معاناته في مختلف العهود، جعله يفهم المواطنة من خلال القائد الرمز المخلص متمسكاً وملتحفاً بعباءة الطائفة والعيش في بقعة العائلة والعشيرة، والرضوخ لروح التقاليد والعادات والاعراف، كل ذلك جعل مستهلات القيم والاعتبارات تمر من خلال المفهوم العقائدي المذهبي الضيق وليس الوطني بمعناه الواسع الذي تراجع في وجدانه بعد اخفاق اماله ونكوصها التاريخي. في زمن البعث وضغوطه وأغراءاته المختلفة وبخاصة بعيد 1968( َتبعثَ) الشروگي وانخرط في تنظيماته تحت وطأة الحاجة، والمصلحة، والامر الواقع والا نتهازية... فأظهر مقداراً من تناقضاته الداخلية تجلت بين نزق الاندفاع وقسوة التنفيذ.. وشعور مضطرب.. وهويتلازم مع حالة سياسية وثقافية مفروضة ومصطنعة في كنف سلطة دكتاتورية مكروهة استخدمته في مهماتها المرهقة، لكنه كان في كل الاحوال موضعا للظنون والريبة في عين السلطة كمتمرد محتمل ولعل الاحداث اللاحقة أجابت عن هذا الموضوع لاحقاً بالصورة التي خمنتها السلطة وتبرير ذلك الجنوبي لدواعي تمرده أنذاك كانت مفهومة ولعل تداعيات الثورة الا يرانية وزخمها أضاف بعداً عقائدياً للتوجه السياسي الجديد لشرائح واسعة من الشروگية تمازجت فيه روح القهر الاجتماعي وتجاذبات المذهب في اعنف صورهاوهي تتجاوب لاول مرة في تاريخ العراق السياسي مع دعوة مذهبية صريحة...؟ في منحنيات التاريخ كان الشروگي يستلبه شعور بالخوف والضعف والتصاغر أمام السلطات رغم استعداده للتمرد، والرد،والتضحية، لكن بعدالتاسع من نيسان2003 تجاوزهذا السياق الموضوع فيه، وشكل تحديا خطيراً للسلطات الجديدة وانخرط في تنظيمات ومليشيات طائفية سياسية مستلهما من فكرة الزعيم الروحي في عمامته المذهبية جل اماله واحلامه في رجوع قهقري متطرف نحومضمار الطائفة والمعتقدات والطقوس ومجاهل التاريخ والمبالغة في اظهار خصوصيته مستهدياً بروح الاسطورة وحلاوة الخرافة متجاوزاً دواعي رد الفعل وتبريراته لهذا التجلي ، بعد أن انخرط في تياراً ممتداً من الجنوب الى بغداد والوسط تحت وطأة الشعور بمغريات النفوذ والتسلط والقوة وقهراً للهزيمة التاريخية المستقرة في روحه.... لقد ظل الشروگي خصماً لذاته ماضوياً في نزعته مسترخصاً روحه في حمم الصراعات السقيمة مستظلاً بشعارات عائمة وهو يلقي بها في حضيض المشاريع المبهمة.....!؟ لم التقط ماهوسلبي ونافر ومكروه في شخصية هذا ( ألشروگي القلق) بقدر ماحاولت استقراء دواخله وتقديم فهم موضوعي للظروف التي احاطت بنشئته وحياته، حيث العزلة والتخلف والجهل والفقروالاقصاء التي ابقت شروط تطوره تصطدم بالتناقض العصي بين غربة الدولة عنه وغربته عنها حيث ظل مضطهداً معدماً مهتوكاً، وهذا له امتداد تاريخي بممارسات ومواقف مختلفة تحت عناوين ملتبسة، وهذا الاشكال العصي لم يجر حله وبقي مهملاً كغيره، وبقيت معاناته جزءاً من معضلة المواطنة العراقية في تمزقها وتشتتها، وهي صورة لشخصية عراقية في مشهد عراقي متناقض تتناثر فيه عدة تماذج لها وهي تتوزع على بيئتها المحلية مشدودة اليها في تجليات ممهورة بختم، الاثنية ، الطائفة ، ألعشيرة ، ألمنطقة، رغم انتمائها العراقي في صورته الهشة التي نحسها....؟ ربما لم أجل ِ كل ماتعلق بهذه الفئة الا جتماعية من ابهامات وغموض لكنني اعدت قراءة الموضوع ليس في تجاذبات التاريخ وعقده وأحكامه فقط...؟ بل مستلهماً من روح الحاضر صورة وتقاسيم ذلك (الشروگي المتمرد) في روحه الجديدة وهو يراهن على تجاوز عذابه التاريخي في ذات الممكنات التي راهن عليها سابقاً رافضاً الخروج من مأزقه التاريخي الذي ابقاه في دائرة الجهل والتخلف والاضطهاد.....؟ والذي هو في تأصيله مأزق العراق المستعصي في بناء وترسيخ هوية المواطنة المفقودة لقد استبدل ذلك الشروگي مقامه ومنبته الاول بعد أن تناسل وانتشر في كل بغداد التي صارت مأواه ومسكنه ومستقبله ومدينته، لكنه ظل يصارع خياراته المحدودة في أن يعيش مهضوماً مسلوباً مستعصماً في مدن الشقاء والبلوى والضيق والعزلة يتاجربه ويتلاعب بمصيره الا خرون، أو يشق لنفسه سبيلاً خارج وصاية الطائفة اوالعشيرة اوالتقاليد البالية كتحدي لقدره الا رضي......؟! 

طلال شاكر كاتب وسياسي عراقي

صورة العضو الشخصية
طلال شاكر
عضو المنتدى
 
مشاركات: 24
اشترك في:
السبت فبراير 23, 2013 9:51 pm
  

Re: يوم ارتحل الجنوبي الى بغداد...غريباً...؟

مشاركةالأحد يونيو 12, 2016 11:06 pm


الاستاذ الفاضل طلال شاكر . اشكرك على هذا المقال القيم الذي يحتوي بين مضامينه على أدبية رائعة ومقدرة ضليعة في التعبير والوصف . الموضوع كبير وذو زوايا واسعة ويستحق الكثير من المناقشة والتحليل والرد على بعض اجزائه . انا لست من المؤيدين لفكرة تهجير ابناء الريف (او من اسميتهم بالشراكوة) واسكانهم بالمدن لان هذا اثبت مع الوقت بانه قد سبب مشاكل كثيرة للبلد في مختلف النواحي . طبعا هذا الامر لم يحدث لبغداد وحدها بل حدث لمدن جنوبية ووسطية اخرى مثل البصرة والكوت والحلة , وحتى كربلاء والنجف .اهم المشاكل التي جاءت مع نزوح الجنوبي الشروكي الذي ينتمي معظمهم للواء العمارة هو تراجع الزراعة في بلد ظل محسوبا منذ ألاف السنين على انه بلد زراعي . هذه النتيجة كانت طبيعية مع هجرة مئات الألاف من هؤلاء الذين اكثرهم من الفلاحين في أواخر الخمسينات ومطلع الستينات بتشجيع وتسهيل من الحكومة الجديدة بعد ثورة 14 تموز 1958 . كما ان من الطبيعي ان لا يتقبل البغدادي (وربما البصري والحلاوي وغيرهم ايضا) لهذا النازح الجديد الطاريء على مجتمعه والذي لم يكن في وقتها يملك غير يده وبطنه الجائعة مما ادى الى رفضه ومنعه من الاندماج في مجتمع المدينة . لذلك اضطر الشروكي الجنوبي المهاجر نتيجة لهذا الرفض والذي شجعته حكومات ما بعد حكومة 14 تموز الى التقوقع في مجتمعه الضيق والانغلاق على نفسه . غير ان الحال تغير مع الزمن وفرض الواقع الكثير من المنافذ التي سمحت لهذا الشروكي بان يتسلل الى المدينة التي ظلت لوقت طويل عصية عليه , وان يتغلغل بين ارجائها ومرافقها ويكتسب منها الكثير من مظاهر التمدن التي بدأت تغير حاله ومن ثم تغير المجتمعات التي تكونت على اطراف بغداد وغيرها من المدن . ومع ذلك ظلت الكثير من المشاكل والازمات تعصف بالمدن التي حصل اليها النزوح بسبب الفروقات الاجتماعية والعادات الغريبة والتي اخذت تفرز بنتائجها السلبية على تلك المدن .
انا شخصيا لدي رؤيا دقيقة لتلك المجتمعات التي عاشت على هامش مدينة بغداد ساعدتني على تكوينها ظروف عملي في منظمة الامم المتحدة في بغداد في أيام تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء . لقد تمكنت في وقتها من ان اتعايش مع اهالي مدينة الثورة (الصدر لاحقا) وان اطلع عن كثب على احوالهم وظروف معيشتهم مما مكنني بان اكون فكرة واضحة عنهم . لقد اطلعت في حينها على الكثير من الحالات المؤلمة بسبب الفقر الشديد والظروف الاجتماعية القاسية والصعبة . من ناحية اخرى فقد اطلعت بذات الوقت على حالات رائعة من مظاهر التمدن والسعي لتغيير الواقع المر لمن ساعدتهم مدخولاتهم وطبيعة اعمالهم لفعل ذلك . كما عرفت من خلال معاشرتي للكثير من أهالي تلك المجتمعات بان غالبيتهم من البسطاء واصحاب النفوس الطيبة ويحملون في اعماقهم وطنية متجردة وحب كبير للوطن والحياة . غير ان المشكلة ان معظم هؤلاء لم ينالوا قدرا كافيا من التعلم لسبب او لأخر فأصبحوا بسبب هذا صيدا سهلا قابل للتعبئة بأي اتجاه يمكن ان يستغله اي طرف قوي متمكن . ان ما يحدث في بلدنا في ايامنا هذه يؤشر بوضوح على صدق هذه النتيجة التي خرجت بها من تماسي مع هؤلاء (الجنوبيين الشراكوة) , فهم يتحركون بعفوية مع اي قوة تتجاذب معهم وتوجههم نحو الوجهة التي تريدها , لكني لا أشك بوطنيتهم الحقة مطلقا . كما قدرت في وقتها بان هذه المجتمعات هي التي ستسود في المستقبل بالمدن التي نزحت البها لاسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا ، وهذا ما رايته يحصل فعلا  بعد عام ٢٠٠٣ بعد عقود من الهجرة والانفتاح والتمدن الذي حصل لهؤلاء حتى يمكنني ان اقول الان بان هؤلاء قد اصبحوا الورثة الشرعيين لبغداد وغيرها من المدن التي حصلت معها مثل تلك الهجرات والنزوح . شكرا لك مرة اخرى واحييك على هذا المقال الرائع , ونحن بانتظار مقالات اخرى .     
صورة
صورة العضو الشخصية
Wisam Alshalchi
رئيس الهيئة الادارية
رئيس الهيئة الادارية
 
مشاركات: 3926
اشترك في:
الخميس أغسطس 30, 2012 3:35 pm
مكان:
الاردن , الولايات المتحدة
  


العودة إلى المقالات الخاصة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر