منتدى أيامنا • مشاهدة الموضوع - من ذكريات الحرب العراقية الأيرانية
      مرحبا بك عزيزي في منتدى أيامنا ، ندعوك إلى التسجيل في الموقع ، التسجيل مجاني و لن يأخذ من وقتك إلا دقائق قليلة . للتسجيل اضغط هنا
   

من ذكريات الحرب العراقية الأيرانية

المقالات التي تعالج اوضاع وحالات استثنائية تدعوا الضرورة لتحرير مقالات بشأنها

المشرف: الهيئة الادارية

من ذكريات الحرب العراقية الأيرانية

مشاركةالأربعاء إبريل 03, 2019 6:57 pm


من ذكريات الحرب العراقية الأيرانية
اليوم الذي أغرقت فيه الامطار وحدتنا في الجبهة
1982/12/26 ..


هذا التاريخ لم ولن انساه ما حييت ، والى يومنا هذا . ما نزل المطر هنا او هناك الا وتمثل لي ذلك اليوم بكل آلامه وقسوته وشدة بأسه وما فعلته بنا تلك المياه الهادرة التي جاءتنا ولم نك مستعدين لها على الاطلاق فمادت بنا الأرض وخسفت بملاجئنا وعتادنا وألياتنا وكل ماخف وثقل في وحدتنا !
بدأ قطر السماء يهطل علينا قبل يومين ابتداءً من الخميس وبنسب متفاوتة الشدة ، ثم اشتد هطولها مساء يوم الجمعة مع رعد وبرق يزلزل الارض تحت اقدامنا.
كنا في موقعنا السابق في بدرة لا نتأثر بالامطار الا ماندر، ولكن بعد انسحاب قطعاتنا من الاراضي الايرانية عام 1982 وخشية تعرض أكداس عتادنا العملاقة الى القصف ، صدر قرار بنقل وحدتنا الى مدينة جصان الي تقع جنوب مدينة بدرة بمسافة 17 كيلومتر تقريبا..
كان اختيار مكان الوحدة ارتجاليا وبدون دراسة هندسية او جغرافية للمكان ، وسبب ذلك هو ضرورة الاسراع تجنبا للقصف المعادي ..
الغريب في الامر انه كان لدينا 3 جنود من البدو ، لايعرفون القراءة والكتابة وليس لديهم اي اوراق ثبوتية وجاؤوا بهم من الصحراء وقدروا اعمارهم ثم الحقوهم بالجيش بدفاتر عسكرية !
هؤلاء البدو الثلاث قالوا لنا ان هذا المكان لايصلح لوحدتنا ولايمكن الاستقرار فيه لأنه سيغرق في الشتاء لا محالة ولأنه مكان هور مؤقت لا تنشف مياهه الا في بداية موسم الصيف! . ووالله لقد كان احدهم خبير انواء جوية بلا منازع فحصل ما اخبرونا به بالضبط.
وأعود الى اليوم الموعود والطوفان الهائل الذي جاءنا من الاراضي الايرانية بعد ان توقف المطرعصر يوم السبت ، وظننا اننا ارتحنا وان كل شيء سيعود الى مايرام ..
قبل االمغرب بدقائق قليلة جاءنا اتصال هاتفي من قيادة الفرقة ، يفيد بأن طوفانا هائلا من االمياه قد عبر غرب مدينة بدرة وهو متوجه الينا ! وعلينا اتخاذ اللازم بتحصين وحدتنا ومنع الاضرار قدر الامكان !
ولكن هيهات ثم هيهات ، لقد كان السور الترابي المحيط بوحدتنا أوهن من بيت العنكبوت فدحرته امواج المياه بعد اول تماس به وانهارت معظم اجزائه الشرقية وتدفق الماء في ارجاء وحدتنا خلال دقائق معدودة ، فحلت المصيبة بل الكارثة بنا وبمعظم معدات وحدتنا .
اسرعنا نحن جنود المقر الى ملفاتنا وسجلاتنا وقرطاسياتنا والات الطابعة فحملناها على ظهر شاحنة (الايفا) .وحملنا مانستطيع من بطانياتنا وفراشنا على ظهر تلك الشاحنة اليتيمة التي تمتلكها وحدتنا ..
انقطع الكهرباء وامسينا نعمل على المصابيح اليدوية والفوانيس والقداحات ..
كان العتاد على محامل خشبية متينة خسف معظمها في الارض فتلف قسم كبير من العتاد بعد ان تغلغل الماء الى الصناديق..
بعدها حلت الفوضى ولا نعلم اين مساعد آمر وحدتنا ، النقيب الشهيد حماد عناب الجغيفي (فك الله اسره) ، لأن آمر وحدتنا وضابط العتاد الخفيف كانا في اجازة وبقي هو لوحده . وماذا سنفعل وكيف نتصرف ، حتى ان خط الهاتف العسكري مع قيادة الفرقة قد توقف تماما .
ازدادت برودة الطقس الى حدود قياسية وطفق الجنود الذين غرقت الملاجيء الخاصة بهم الى اشعال النيران بصفائح السمن النباتي القديمة طلبا للدفء في الاماكن المرتفعة التي لم تصلها المياه ، ونحن في المقر واقفون قرب الشاحنة يقتلنا البرد بانتظارالسيد المساعد .
ثم جاء بعد قليل فسألنا عن المقر وسجلاته وملفاته فقلنا له انها بأمان على ظهر هذه الشاحنة ، فقال اصعد يا محمد وانت ياعبدالوهاب واكتبوا ما امليه لكم .
وضع رفيقي محمد الطابعة على فخذيه وامسكت انا ورقة وقلما لأكتب المسودة وفوقنا فانوس معلق بسقف الشاحنه ..
الى .. مديرية العينة . مديرية التموين والنقل . قيادة الفرقة الثانية . تموين ونقل الفرقة الثانية ..
في الساعة السابعة من مساء هذا اليوم غرقت وحدتنا بمياه سيول جارفة .الوضع صعب وخطير جدا .. انبؤونا .
انتهت البرقية .. ثم قام بالامضاء عليها و قال ليذهب بها احدكم الى ادارة الفرقة في جصان .
ثم قام بجمع جنود الوحدة كلهم وذهب بهم وسط الاوحال والماء الذي ارتفع الى قبل الركبة بقليل ، الى اكداس العتاد في محاولة لتصريف اكبر كمية من المياه الى خارج السور من الجهة الجنوبية للوحدة ..
قلت لهم اخواني اين اختام الوحدة ؟ هنا وقعت الطامة الكبرى على رؤوسنا وتبين لنا انا نسيناها في ملجأ قلم الوحدة .
فذهبت انا والجندي الشهيد ناجي شاكررحمه الله الى هناك ونحن نخوض في المياه الباردة جدا وفي يد رفيقي التورج لايت حتى وصلنا الملجأ ..
ولكن اي ملجأ لقد اصبح مسبحا داخليا وارتفاع الماء فيه يصل الى مافوق السرة بقليل ، فتوكلنا على الله ونزلنا وفي كل جزء يمسه الماء من اجسادنا نشعر بوخزات شدة برودة الماء . مددت يدي الى الدولاب الخشبي الطافي فوق الماء وفتحت الجرار فوقعت يدي على الاختام والسطمبة الخاصة بها وخرجنا ونحن مثقلون بالمياه ، وفي اجسادنا برودة تكاد تقتلنا والله .
وصلنا الى الشاحنة فوجدنا ان مراسل الامر قد اخرج المدفأة النفطية قرب الشاحنة وتجمع حولها جنود المقر ، وبعد ان شاهدوا حالنا فسحوا المجال لنا لننعم بالدفء ولو لدقائق معدودة .
خلعت قمصلتي العسكرية المملوءة بالماء ، وتوجهت الى مقر ادارة الفرقة مشيا على الاقدام لمسافة كيلومترين .
وما ان شاهدوني رق قلبهم لحالي ، وقام جندي من اهالي بغداد الجديدة اسمه محمد باصطحابي الى مستوع الملابس عندهم فأعطاني بدلة عسكرية وتراكسوت خاكي داخلي وجواريب صوف وذهب بالبلوز الخاص بي ووضعه قرب المدفأة .
ثم اطعموني الحساء الحار مع صمون العسكر.وبقيت عندهم الى ما قبل الفجر بقليل فارتديت بلوزي وخرجت من عندهم شاكرا لهم ماقدموه لي من عون .
ما ان بزغ الفجر حتى امتلأت الارض بالضباب وازداد البرد شدة وحال جنودنا يرثى له من الارهاق والتعب والجوع ، وراينا بأم اعيننا الكارثة التي حلت بوحدتنا ..وقد احاطتها المياه من كل جانب واخترقتها من نواحي عديدة لتشكل هور الشويجة الذي تتجمع مياهه شتاء كل عام ثم تجف منتصف الصيف ..
ذلك اليوم حضر الى وحدتنا مدراء صنوف العينة والتموين والنقل والهندسة وقائد الفرقة ورئيس اركانه ثم جاء رئيس اركان الفيلق والكثير من ضباط الفرقة والفيلق .. .. كما تم الاتصال بآمر وحدتنا في بيته وأمر بالالتحاق فورا
وبعد ان شاهدوا وضع الاكداس قرروا ان يقوموا بحملة اعمار وتجديد شاملة وقرروا ايضا عدم نقل الوحدة الى مكان اخر..
بعدها بساعات هلت وحدات الهندسة العسكرية وآلياتهم والجهد الهندسي الحكومي ومديريات اشغال مدنية وعسكرية وعشرات الشاحنات المملوءة بال(سبيس) .
وجاء طلاب ثانوية بدرة للبنين والجيش الشعبي والفلاحين والجهاز الحزبي ليعينوا جنود الوحدة في ترتيب العتاد واخراج المئات من الصناديق المتضررة .
وبعد عشرة ايام من الجهد المتواصل اصبحت وحدتنا وحدة نموذجية من ناحية الارضية وطرق تصريف المياه والسد العريض والمتين الذي اقاموه بدلا من القديم
بعدها لم تؤثر علينا لا امطار ولاسيول على الاطلاق .
هذا بعض ما اذكره عن ذلك اليوم المشؤوم الذي كانت له حسنة واحدة فقط ، الا وهي اننا ارتحنا من الفئران راحة تامة بعد ان قضى عليها طوفان ذلك اليوم ..
الصورة لهور الشويجة من الجوجل

سعد هزاع عمر


image1.jpeg
ليس لديك الصلاحية لمشاهدة المرفقات
صورة العضو الشخصية
سعد هزاع عمر
عضو المنتدى
 
مشاركات: 44
اشترك في:
الأحد يناير 13, 2013 7:07 am
  

العودة إلى المقالات الخاصة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر