منتدى أيامنا • مشاهدة الموضوع - تجربتي في فرنسا
      مرحبا بك عزيزي في منتدى أيامنا ، ندعوك إلى التسجيل في الموقع ، التسجيل مجاني و لن يأخذ من وقتك إلا دقائق قليلة . للتسجيل اضغط هنا
   

تجربتي في فرنسا

جميع انواع المقالات الثقافية والفكرية

المشرف: الهيئة الادارية

تجربتي في فرنسا

مشاركةالجمعة مارس 02, 2018 9:15 pm


ذكريات وخواطر
تجربتي في فرنسا

 
الرحلة الاولى : الإيفاد

 
أجواء عام ما قبل السفر ( 1978 – 1979 ) :


بعد اتمام دراستي للماجستير عام 1977 عدت من جديد للعمل في مديرية المستشفى البيطري في الانبار كمسؤول عن المختبر في مدينة الرمادي ومشرف على حقول تربية الدواجن في المحافظة. وبعد تردد استمر عدة شهور قررت الذهاب لمقابلة وزير الزراعة د. حسن فهمي جمعة الذي اعرفه منذ ان كان عميد كلية الزراعة والطب البيطري ، فهو الذي سلمني قلم مذهب كجائزة بمناسبة حصولي على اعلى الدرجات في السنة النهائية من دراسة الطب البيطري ، وهو ايضاً صديق الدكتور جاسم الهاشمي معاون عميد الكلية و الذي نصحني بمقابلته. ذهبت الى الوزارة في صباح احد الايام المشرقة وطلبت رؤية الوزير لغرض نقلي الى مدينتي بغداد المدينة التي اعشقها والتي ابعدت عنهاً كرهاً . نظر موظف الاستقبال الى زميل معه مبتسماً ابتسامة خاصة وقال لي " يبدو انك لم تسمع اخبار مساء يوم امس !! لقد تم اعفاء الدكتور حسن فهمي من منصبه " . لم استغرب  ذلك فقد تعودنا على مثل تلك الاوامر الارتجالية غير المتوقعة و غير المفهومة عند المواطن العادي   ، ولكن الذي اثار استغرابي هو التوقيت و ان يصادف صدور الاعفاء في المساء الذي سبق رغبتي في المقابلة التي لم تتم ، تلك الرغبة التي كانت تراودني منذ شهور.

 و في عام 1978 قررت ان اقابل الوزير الجديد لطيف نصيف جاسم الدليمي وسلمته رسالة مختصرة من بضعة سطور ، كما هو العادة في مثل تلك المقابلات الاسبوعية ، اطلب فيها وضعي في المكان المناسب و الاستفادة من شهادتي وخبرتي في مؤسسة علمية مثل مديرية قسم المختبرات والبحوث البيطرية في ابو غريب. ذيل الوزير الطلب بعبارة " الطلب معقول ، لأجراء اللازم " ، وتوجهت الى معاون الوزير لا اتذكر من اسمه سوى لقبه  " الدليمي " وهو انسان لطيف ويعرفني جيداً اذ كان يعمل سابقاً كمدير الادارة و الذاتية في مديرية البيطرة العامة ويعرف اوليات وحيثيات امر نقل خدماتي من جامعة بغداد الى وزارة الزراعة والموقع من النائب صدام حسين . وبعد ان استفسر مني للتأكد من ان ذلك الامر هو نقل خدماتي الى وزارة الزراعة " وحسب تنسيبها " صدر امر نقلي الى مديرية المختبرات الواقعة في ابو غريب.

في مديرية قسم المختبرات والبحوث البيطرية في ابو غريب :

توجهت الى مدير قسم المختبرات والبحوث البيطرية الدكتور سعدون عبد الله صالح الدليمي الذي نسبني الى شعبة الهستوباثولوجي Histopathology بناء على طلبي. ثم اتجهت الى رئيس الشعبة الدكتور صائب حلبية وهو حاصل على ماجستير من جامعة بيروت ومن وجبة تخرجت قبل وجبتي، وبعد السلام وشرب الشاي اخذ يستفسر مني عن تجربتي والاعمال التي كنت اقوم بها سابقاً. وعندما علم انني كنت معيداً في قسم الانسجة لعدة سنوات وموضوع رسالتي للماجستير يحوي جزءً منه على الهستوباثولجي وآخر عن فحوصات الدم وثالث عن التسمم بالزئبق ، اصابه القلق قليلاً رغم محاولته كتمان ذلك ، واخذ يعيد على اسماعي ، وكأنه يريد اقناع نفسه واقناعي ، ان اختصاصي هو علم الدم والسموم . ولا يحتاج الانسان الى كثير من الذكاء كي يعرف السبب ، لقد كان متخوفاً ان ازيحه واحتل مكانه باعتبار ان  خبرتي في علم الهستولوجي طويلة نسبياً ، وهكذا قدر لي ان يتخوف مني الاخرون كلما حللت في مكان جديد رغم انني بالاساس " مغضوب عليَّ " و امر نقلي صادر من " مكتب امانة سر مجلس قيادة الثورة " ولا يزال يطاردني وعندي ماضي سياسي يساري قديم  اعتز به يلاحقني بكل فخر . اضف الى ذلك انني بطبيعتي اكره تحمل المسئوليات الادارية واسعى الى تجنبها قدر المستطاع بسبب ادراكي الاكيد من أنها تسبب المتاعب ولن تدوم ابداً ، وهي ايضاً تشغل الباحث وتستولي على وقته و تعرقل تقدمه في اختصاصه.  في تلك اللحظة جاءتني فكرة ان اصيد ثلاثة عصافير بحجر واحد دون ان اؤذيها فأخبرته انني اقترح فتح مختبر لتحليلات الدم والسموم ففرح لذلك كثيراً واخذ يرحب بي كثيراً ويؤكد على اهمية فتح مختبر جديد تفتقر له المديرية. والواقع ان علم الدم هو جزء من علم الانسجة كما ان قسم كبير من تحليلات السموم تمر عبر الفحوصات النسيجية والتغيرات التي تجري عليها بتأثير من تلك السموم ، ومن المفروض انه يعرف ذلك جيداً. وبهذا فانا قد حافظت على اختصاصي اولاً  وافتتحت مختبر جديد لم يكون موجوداً في السابق ثانياً ، وأرضيت زميلي الجديد الدكتور صائب حلبية ثالثاً.

 
المدير العام :

كانت مديرية المختبرات والبحوث تابعة الى مديرية البيطرة العامة ( تغير اسمها لاحقاً الى  الهيئة العامة للصحة الحيوانية )  ومديرها العام آنذاك هو د.نجيب ياسين الراوي. وقد اوردت اسمه في مقالة سابقة عندما تحدثت عن تجربتي في هيت. كان د. نجيب حاصل على البكالوريوس في الطب البيطري ولم يكن من الاوائل ولكن انتماءه السياسي مكنه من ان يحصل على هذا المنصب. في العهد الملكي كان منصب مدير البيطرة العام يمنح لمن هو حاصل على شهادة الدكتوراه مثل مؤسس كلية الطب البيطري د. صادق الخياط او مثل استاذ التشريح  د. حسن الاوقاتي اللذان احتلا هذا المنصب في العهد الملكي. وقبل ان يصبح مديراً كان د.نجيب معاون للمدير العام و كنت انا طالباً في المرحلة الاخيرة من دراستي ، وقد زرته لتسليمه دراسة كنت قد اعددتها في ذلك الحين عن مرض نزيف التسمم الدموي في الاغنام كي ينشرها في مجلة المديرية ، وعندما علم انني طالب قال سأحتفظ بها في مجرة مكتبي لانك لا تزال طالباً فاصررت على استعادتها. ما الذي يمنع الطالب من نشر مقالة او دراسة ان كانت صالحة للنشر ؟ . ومن صفات د.نجيب المؤسفة انه كان يحب الاستماع الى الجواسيس ويلتقط النميمة التي ينقلها له البعض من هنا وهناك و يتبع اساليب غريبة وبعيدة عن الاوساط العلمية ، ومنها توبيخ الباحث والطبيب البيطري بسبب او دون سبب . ولحسن الحظ لم احتك به في مثل هذه الامور طيلة السنوات القليلة التي عملت فيها في المؤسسات التابعة للمديرية العامة. قيل لي انه سمع  ، في احد الايام ، من احد العاملين ان هناك بحوثاً تجري في مديرية قسم المختبرات والبحوث البيطرية دون علمه ، فجاء الى المختبر ليقول " من الان وصاعداً سأكسر رجل كل من يقوم ببحث ".  ايقال هذا في مؤسسة مختصة بالبحوث العلمية و بصناعة اللقاحات وتطويرها ؟ ويؤمها خبراء واساتذة اجانب ضمن برامج الامم المتحدة وفي مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة الدولية.

لقد اعتاد العاملون في بدالة مديرية البيطرة العامة المبادرة باشعار بدالة اية مؤسسة تابعة للمديرية يتوجه لها المدير العام لغرض تفقدها ( في حالات نادرة ) او لمعاقبة بعض العاملين فيها ( في حالات كثيرة ) ، وهذا ما كان يحدث بالنسبة الى مديرية المختبرات والبحوث التي نعمل فيها . وعامل بدالتنا بدوره يتصل بمديره اولاً ثم بكافة الاقسام والشعب لينبه منتسبيها بقرب قدومه : " د. نجيب قادم من بغداد وهو في الطريق..حضروا انفسكم ".

 الكل كان على اطلاع بوجود مثل هذا التنبيه ( عدا نجيب نفسه ) والكل كان يحاول تجنب هذا المدير العام الذي كان لا شغل له سوى التعرض للباحثين ، فهو ان جاء وشاهدك جالس في مكتبك لكتابة او تصحيح بحث معين فانت كسول لا تعمل ، وان كنت تناقش حالة مرضية او تتبادل الرأي مع زميل في موضوع تشخيصات او صنع لقاح فانت تضيع الوقت والعقاب قادم. والان احكي لكم هذه النكتة : في احدى المرات اتصل بنا عامل البدالة كالعادة ليعلمنا عن قرب مجيء المدير العام ، وكان لدي في المختبر عدة انابيب مختبرية تحوي على سوائل مختلفة الالوان ( ازرق ، اخضر، اصفر، احمر ، وردي ، بنفسجي..) هي حصيلة فحوصات مختبرية اجريتها على بعض النباتات السامة واحتفظ بها في احدى الرفوف لغرض التدريس والإيضاح. فرجتني احدى الباحثات العاملات معنا ان اعيرها هذه الانابيب كي تتظاهر امام المدير العام ، عندما تلمحه قادماً نحوها ، بانها تفحص و تقارن بين تلك الانابيب الملونة . ولا ادري ان كان مبعث ذلك الطلب هو الخوف من المدير ام انها ارادت ان تضحك وتسخر منه  ولحسن الحظ لم يزور شعبتنا.
 

ضغوط.. وحذر...و احكام القدر :

كانت تلك الفترة من عام 1978 صعبة ورهيبة اذ ان الضغوط اخذت تزداد يوماً بعد يوم على كل من يشك بولائه الى فكر " الحزب الحاكم " او باحتمال انتماءه للمعارضة وكان هذا يتطلب اخذ الحيطة والحذر في التعامل اليومي مع الاحداث   حتى بالنسبة الى الانسان المستقل والبعيد عن السياسة. كان العراقي يعيش تحت ظل خيمة الخوف ، الخوف على حياته وحياة عائلتة وعلى عمله. في ذلك الحين كنت اعود يومياً بعد الانتهاء من العمل من ابو غريب الى بغداد ، بواسطة باص المختبر برفقة بعض الزملاء واعتدنا ان نتناول الغداء والشراب سوية في احد مطاعم العلوية او الكرادة الشرقية او شارع السعدون. وقد توطدت علاقتي مع زميل وصديق قديم اسمه "علاء هادي الدباس" كان معي في الصف الاول من كلية الطب البيطري وكنا نبقى سوية بعد الاكل ونتحدث بامور كثيرة. وفي احدى المرات حدثني عن مشكلة حصلت له في احدى المرات بسبب مظهره و لون عيونه الخضراء وشعره الاشقر نسبياً حيث انه ذهب الى منطقة تكريت  لتلقيح او علاج حيوانات تعود لاحد اقارب الرئيس العراقي السابق صدام حسين ( اظن انه عمه ابراهيم ) ، وان ابراهيم قد " رزله " اي وبخه بحجة " انهم يرسلون له مخانيث بدون شوارب " ،  وبعد تلك الحادثة ربى شاربه ، ومازحته قائلا " ولكن شاربك اصفر لا يكاد ان يرى ".

 في احد الايام صارحني د. علاء الدباس ان د. نجيب في احدى الاجتماعات طلب مراقبة بعض الاشخاص ممن لا ينتمون الى حزبهم او ممن يشك في انتمائهم الى الحزب الشيوعي وذكر اسمي بالذات ، الا ان علاء قد اكد له انه يعرفني بشكل جيد ومنذ فترة الدراسة وانه ليس لدي اي نشاط سياسي ولا اي ارتباط بأي حزب من الاحزاب وان جل اهتماماتي هو البحوث وتطوير المختبر وعدد له مشاريعي المستقبلية للتشخيصات المرضية. فأجابه  د. نجيب ان كان هذا صحيحاً فهل هو مستعد للتوقيع على اعدامه ؟ في اشارة الى تلك الاستمارة السيئة الصيت والتي لا يوجد لها مثيل في اي بلد بالعالم او لا بأي عصر من العصور. والاستمارة عبارة عن تعهد يوقع صاحبها على القبول باعدامه في حالة ثبوت انتماءه الى اي حزب آخر عدا حزب البعث. ومن الغباء توقيع مثل تلك الاستمارة الخطيرة ، ولا ادري كم انسان قد اعدم بتلك الحجة التي يمكن اختلاقها في اي وقت من الاوقات. وبما ان زميلاً آخراً كان حاضراً في ذلك الاجتماع قد أيد كلام د. علاء الدباس فان د. نجيب قال انه قد سمع عني كثيراً وعن قابليتي وجديتي في العمل وانني كنت ناجحاً في مختلف الوظائف التي كلفت بها سابقاً ( في الرمادي ، هيت ، الجامعة ) وهو ( اي نجيب )  يرغب ان اقابله لأنه يريد ان يوكل مهمة علمية الى شخص اهل لها.

ذهبت لمقابلة المدير العام وبعد الترحيب بي قال لي ان كل التقارير التي وصلته عني من محافظة الانبار ( محافظته ) عندما كنت اعمل هناك كانت تشير الى عدم مشاركتي بنشاطات سياسية تذكر عدا مرة واحدة لم يتأكد من صحتها ( سأعود اليها لاحقاً ). ثم أضاف قائلاً ان الاستاذ عبد الواحد الخربيط يقدرني كثيراً و" زكاني " في مناسبات عديدة . وللعلم فان عبد الواحد الخربيط هو رجل في منتهى الشهامة والطيبة والاخلاق وهو صديق نجيب ومن شيوخ الانبار المتنفذين ، وقد عملت معه عندما كان قائمقام قضاء هيت و تحدثت عنه سابقاً في مقالتي عن هيت ، وبفضل جهوده وافق نجيب على منحي اجازة دراسية للماجستير عام 1974.

 ثم حدثني د. نجيب عن الموضوع الرئيسي للمقابلة وهو انه توجد اتفاقية بين الحكومة العراقية وفرنسا لإقامة مختبر لإنتاج لقاح  ضد مرض الحمى القلاعية  ( Foot and Mouth Disease) الذي يصيب عادة الابقار ويمكن ان ينتقل الى الانسان. والبناية هي قيد التشييد وان اتفاقاً قد جرى مع شركة ايفا ميريو ( IFFA MERIEUX ) الفرنسية المختصة بانتاج اللقاحات للقيام بالمشروع وتدريب فريق من الاطباء والمهندسين. والمختبر سيتكون من قسمين وان اختياره قد وقع علي كي اكون مدير قسم الانتاج ويعمل معي طبيبين بيطريين وبعض المهندسين والعمال، وفي حالة موافقتي فانني سأوفد الى فرنسا للتدريب لمدة عام. ويبدو ان د. نجيب قد ادرك او ان خبراء المشروع في فرنسا  جعلوه يقتنع بان قسم انتاج اللقاح هو ركيزة مشروع الحمى القلاعية ومسؤوله يجب ان تتوفر فيه شروط علمية معينة ، وربما لهذا السبب وقع علي الاختيار. وقد تأكد لي فيما بعد ان تلك الضغوط التي مورست ضدي كان هدفها التأكد من انني غير مرتبط بتنظيم يساري بدليل انني كنت تحت المراقبة في اماكن مختلفة سواء كان ذلك في العمل او السكن  وايضاً عندما كنت في كلية الطب البيطري اثناء الدراسات العليا ، وانا بدوري كنت اعلم بذلك وكنت حذراً وتجنبت كل ما يمكن ان يثير لديهم الشكوك ولم يكن لدي شيء اخفيه سوى افكاري التي لا يمكن لأي مخلوق ان ينتزعها مني.

 اما عن تلك المرة الواحدة التي تحدث عنها المدير العام لنشاط سياسي مزعوم فهي على الاكثر بسبب حضوري افتتاح مقر للحزب الشيوعي العراقي في الرمادي عندما كانت الجبهة الوطنية في اوج عنفوانها. والحقيقة هي انني عندما كنت طبيباً بيطرياً في قضاء هيت كانت لي علاقة مع جميع ابناء اهالي القضاء واغلبهم اناس طيبون ومنهم الشباب الذي اصر على دعوتي لحضور افتتاح المقر وكانوا قد اجروا باص صغير لنقلهم من هيت الى الرمادي وقد ركبت معهم واتذكر انهم قد غنوا اغنية جعفر حسن " لا تسألني عن عنواني ...لي كل العالم عنوان ". كان من ضمن حضور افتتاح المقر المناضل صاحب الحميري وماجد عبد الرضا عن الحزب الشيوعي وكذلك ممثلين عن حزب البعث ، فهل الحضور في مثل هذه الافتتاحية يعتبر نشاط سياسي ؟. وفي هذه الافتتاحية فوجئت بوجود المناضل صاحب الحميري الذي تعرفت عليه عام 1962 ، وكان عمري في حينها اقل من 18 عاماً،  ويبدو انه يتابع اخباري وهو الذي كان خلف الدعوة التي وجهت لي. وقد استقبلني بالترحاب وقدمني الى عضو اللجنة المركزية ماجد عبد الرضا الذي لم يعجبني تصرفه غير المؤدب اذ مد لي يده للمصافحة دون ان يلتفت لي مما ازعجني كثيراً.

 وتحضرني الان الحادثة التالية التي وقعت لي عندما كنت ادرس الماجستير في كلية الطب البيطري في العامرية  وتثبت كيف انني كنت مراقباً عن كثب في ذلك الوقت. في احدى المرات اثناء الدرس العملي للتشخيصات المرضية ارتديت عن طريق الخطأ بلوز زميلي وتلميذي السابق محمد عبد الله ، واذا بي اعثر في احد الجيوب على ورقة مطوية فتحتها وقرأت فيها جملة تدعو الى مراقبتي دون ان تشير الى اسمي الصريح والكامل ، وهنا انتبهت الى خطأي . ومحمد عبد الله هذا كان يدعي انه طالب نجيب و صديق لي وكان يعاملني باحترام منقطع النظير وكنا نخرج ونأكل سوية ، وبالطبع اعدت الورقة الى مكانها ولم احدثه عن الموضوع.

كان الكثير من زملاء الدراسة وحتى من كانت معدلاتهم غير عالية قد سافروا الى الخارج وعادوا بشهادات عليا ، اما انا فقد حرمت من اية منحة او زمالة دراسية بل وبالعكس نقلت  من جامعة بغداد الى وزارة الزراعة  ، و ابعدت من قبل د. نجيب نفسه للعمل في قضاء هيت. بالطبع وافقت على السفر الى فرنسا لأتنفس الصعداء قليلاً فالأجواء السياسية كانت مشحونة وملبدة بالغيوم وتهدد بالرعود. كان لدي صديق عزيز ومخلص ورمز للوفاء بل هو صديق العمر واسمه جعفر الصايغ او جعفر ابو الذهب ولقب الصايغ او ابو الذهب اطلق عليه من قبل اصدقاءه لان مهنته هي الصياغة اقول هذا لتميزه عن اشخاص معروفين ويحملون تلك الالقاب العائلية. كان جعفر محل ثقتي وله معارف كثيرون ومن مختلف الاتجاهات والاديان وقد ساعدني كثيراً في اتمام معاملتي وفي الحصول على جواز السفر كلما وصلت المعاملة الى طريق صعب او شبه مسدود ، ومنها الغاء امر منع السفر الذي اكتشفت وجوده عند متابعتي للمعاملة. ولحسن الحظ فقد كنت اسكن مع عائلة مسيحية طيبة في حي البتاوين الذي تسكن فيه غالبية مسيحية ، وكان المسؤول الحزبي عن الحي ايضاً من هذه الطائفة ومن معارف احد اصدقاء جعفر . وعندما جاءه الاستفسار عني من قبل المنظمة او الامن فانه قد رتب الامر لصالحي، وقد كافأته عندما عدت من فرنسا بهدية. اما في معاملة الجواز فان احد اصدقاء جعفر وهو حلاق مسيحي يعمل في البتاويين وله معارف في دائرة الجنسية قد صاحبني لإذلال بعض الصعوبات وحتى بمتابعتها بدلاً عني. وفي احدى المراحل اضطررت الى اظهار كتاب تكليفي بدراسة معينة موقع من رئيس المجلس الزراعي الاعلى مما جعل ضابط الجوازات يرحب بي ويرسل مساعده لاختصار بعض خطوات معاملة الجواز.

 
 
رحلة الإيفاد ( 1979 – 1980 ) :

في باريس :

في اوائل حزيران من عام 1979 توجهت الى فرنسا في اول رحلة لي الى خارج العراق ، وكان من ضمن فريق الايفاد لهذه الوجبة التي تعد الثانية طبيب بيطري اخر وطبيبة بيطرية وكذلك ثلاثة مهندسين باختصاصات مختلفة : ميكانيك ، كهرباء وتجميد. وبعد فترة قليلة التحق بنا زميل آخر في باريس وهو من طلابي السابقين ومقرر ان يعمل معي في قسم الانتاج. بقينا في باريس ثلاثة اشهر لتعلم اللغة الفرنسية ثم البقية من فترة الايفاد في مدينة ليون ثاني كبرى مدن فرنسا للتدرب في مختبر ايفا ميريوIFFA MERIEUX . كانت فترة الاقامة في باريس جميلة حيث زرت معظم المعالم السياحية ، وما اكثرها وقد انسجمت مع زميلي د. محمود محمد عواد الذي كان مثال للأخلاق الطيبة والاخلاص ويستحق لقب الصديق المخلص.

 لقد كنت قد حملت معي رسالة من صديق لي في بغداد الى أخيه ( مهدي ) في باريس والذي كان في المرحلة الاخيرة من الدراسة في فرنسا. كان مهدي يسكن باريس لسنوات عديدة ويعرفها بشكل جيد وهذا قد سهل لي التعرف بسرعة على الاماكن والمعالم السياحية وغير السياحية التي كنا نزورها بعد الانتهاء من الدوام . وقد اعجبني الاخ مهدي كثيراً واصبح صديقاً لي فهو انسان مؤدب ومهذب ورزين ويعرف كيف يتعامل مع الاخرين. وكانت معه  فتاة المانية طيبة اسمها ماريون جاءت الى فرنسا لتقوية فرنسيتها ثم تعرفت عليه ونشأت بينهما علاقة صداقة وحب وكنا نعتبرها بمثابة خطيبة له ، وحسب معرفتي كانا يزمعان على الزواج بعد ان يتم مهدي خدمة العلم في العراق ولكن الامور لم تسير حسب المخطط. اذ اندلعت الحرب العراقية الايرانية بعد عودته الى العراق وانتظرت الفتاة كثيراً كما ان الصديق مهدي الذي اضطر الى البقاء قد تزوج من عراقية وعندما شعرت ماريون ان القطار على وشك ان يفوتها تزوجت بدورها من الماني. اعود الى باريس حيث كنا نتجول فيها نحن الاربعة محمود ومهدي وماريون الالمانية وانا. وقد دعتنا الاخيرة الى المانيا فذهبت ومهدي معها حيث حللنا في دار والديها المكون من ثلاثة طوابق. وفي المانيا دعتنا ام ماريون للذهاب الى مدينة بون حيث زرنا منزل الموسيقار الشهير بيتهوفن الذي كان بمثابة متحف له. وسأتحدث لاحقاً عن ماريون هذه الفتاة الالمانية العظيمة التي ربطتني بها علاقة اخوة وصداقة استمرت على مدى 38 عاماً ، حيث نتبادل الزيارات العائلية والتي اصبحت سنوية منذ عام 2006 ولازالت مستمرة ، كما ان زوجها انسان طيب وذو اخلاق عالية وزواجهما قد اثمر عن بنتين جميلتين ،  ورب اخت لم تلدها امك.

ومن باريس زرت روما وامستردام وبروكسل والمانيا ، كما ان زملائي قد سافروا ايضاً الى دول متعددة ، وكانت سفراتي تلك تتم اما في عطلة نهاية الاسبوع او اثناء العطل الرسمية. في احدى المرات اردت زيارة مدينة ميونيخ لحضور احتفال عيد البيرة الذي كنت قد سمعت عنه كثيراً ولكن تاريخ الاحتفال اقتضى مني زيارة المسؤولة عن حلقتنا الدراسية للحصول على اجازة يوم واحد. واذا بها تطلق ضحكة عالية عندما ذكرت لها سبب الرحلة وقالت لي : يبدو انك لا تعرف الكذب ولا اختلاق الحجج فالاخرون ، وهم طلبة من جنسيات مختلفة ، يجدون اعذارا اضطرارية للسفر مثل عيادة مريض او حضور مأتم الخ. ونصحتني بعدم السفر لتجنب المشاكل التي تحدث عادة في مثل تلك الاعياد الصاخبة ، فأخذت بنصيحتها. وفي معهد اللغة تعرفت على عدد من الاشخاص من العراق ومن دول عربية مثل الكويت وليبيا ومن جنسيات اجنبية مثل بوليفيا ودول اخرى من امريكا اللاتينية. ومن هؤلاء فتاة بوليفية جميلة كانت محط انظار كل من يراها بسبب جمالها الباهر ، وقد حاول معظم طلاب اللغة التقرب لها واقامة علاقة معها بشتى الوسائل دون جدوى الى حد انها اخذت تشعر بالضيق ، ثم انتبهت الى انني كنت الوحيد الذي يتعامل معها بشكل طبيعي دون مضايقتها فنشأت بيننا علاقة صداقة بريئة وكنا نلتقي خارج الدوام ونتبادل الزيارات . وفي احدى المرات كنا نتنزه في منتزه المدينة الجامعية فطلبت من شاب فرنسي ان يلتقط لنا صورة بكامرتها ، فارتبك الشاب منبهراً بجمالها ومسك الكاميرا بشكل معكوس. و عندما عادت الى بلدها ارسلت لي رسالة مرفقة بصورة لها ثم انقطعت اخبارها.

في شهر تموز من عام 1979 وصلتنا اخبار استلام صدام حسين للسلطة كرئيس جمهورية واخبار ما سمي " بالمؤامرة " و الاعدامات التي اعقبتها والتي كانت موضوع حديث الساعة في الصحف الفرنسية.
 

في مدينة ليون :

بعد ثلاثة اشهر تركت باريس التي تعودت عليها وذهبت الى مدينة ليون ، واتذكر ان الصديق العزيز والقريب الى نفسي مهدي قال لي : ها انت تغادر باريس في الوقت الذي بدأت التعرف والتعود عليها والمناسب الان هو البقاء فيها وليس تركها ، وقد كان كلامه صحيحاً. اما مدينة ليون فهي ثاني مدن فرنسا من حيث الكثافة السكانية وهي مدينة صناعية ولكن تمطر فيها السماء كثيراً بسبب موقعها الجغرافي . قضيت في مدينة ليون تسعة اشهر وقد التحقت بنا وجبة جديدة من الطبيبات والاطباء البيطريون وقبل ذلك التحقت زوجة د. محمود وبنتهم الصغيرة زينة به في باريس وكنت ازورهم باستمرار سواء كان ذلك في باريس ام في ليون اذ كانوا مثالاً للكرم والطيبة وحسن الضيافة ، كما ان زيارتي لروما كانت برفقتهم.

اما بالنسبة الى التدرب فان الشركة لم تسمح لنا في البداية الا بالمراقبة وملاحظة طريقة العمل مما اثار احتجاجنا اذ ان الدولة العراقية كانت تدفع للشركة 7000 فرنك على كل متدرب عراقي اضافة الى كلفة مشروع الحمى القلاعية  وهي بحوالي 20 مليون دينار على ما اذكر ، في وقت كان الدينار فيه يعادل 3 دولارات. واستجابت ادارة الشركة فوراً لطلبنا واخذنا نشارك بشكل فعال في العمل مع الاخرين. وكان التدرب يتم في مختبر قسم انتاج اللقاحات وقد كان نظام الدخول والخروج الى هذا القسم حازم وشديد حيث كان على الداخل ان يأخذ دوش ثم يرتدي ملابس خاصة معقمة قبل الدخول ودوش اخر قبل الخروج لاجل منع ادخال او اخراج اية جرثومة من والى المختبر.

كان من ضمن الاتفاقية المعقودة بين العراق وفرنسا قدوم خبراء ومهندسين من فرنسا الى العراق مع بداية تشغيل مختبر الحمى القلاعية في بغداد والبقاء لعام او عامين ، لذا فانهم قد رتبوا لنا دعوة عشاء مشتركة للتعارف تضم الاطراف كافة في احد مطاعم " ليون " ، وهذه المدينة مشهورة بنوعية وتنوع اكلاتها الشهية. وقبل الذهاب الى المطعم حدثنا مدير المشروع الزميل د. عامر قدوري الذي التحق بنا لاحقاً في ليون في زيارة ثانية له الى فرنسا ، بان مدير الشركة او احد الحضور قد يسألنا اثناء العشاء عن انتماءاتنا الدينية والطائفية وعلينا اختصار الاجابة بكلمة مسلم او مسيحي لا اكثر ولا اقل. وقد حدث هذا بالفعل وكان هناك نوع من الاصرار على معرفة ان كان هذا من هذه المذهب او ذاك فكان الجواب ايضاً مسلم بالنسبة الى المسلم ومسيحي بالنسبة الى زميل مسيحي كان معنا ( د. رزاق قسطو) الذي سأتكلم عنه لاحقاً. والان عندما استعرض تلك الايام اتسائل كيف تجرأ احدهم وطرح مثل تلك الاسئلة التي تعد مخالفة لأسس وقوانين الجمهورية الفرنسية العلمانية ، فالهوية الفرنسية لا تحوي اية معلومات عن ديانة المواطن الفرنسي او مذهبه او لونه. وقد تأكد لي بعد ذلك ان بعض ما كان يحدث في تلك الشركة لم يكن اعتيادياً ولا يعكس طبيعة وحقيقة المواطن الفرنسي الذي عرفته واكتشفته لاحقاً في مدن متعددة ومجالات عمل متنوعة.

من الوقائع التي تستحق الذكر هو الحادثة التالية وخلاصتها ان احد العاملين في المختبر كان يشرح لي في احد الايام طريقة فحص البي اج pH  اي مقياس درجة حموضة او قلوية المادة بجهاز بسيط  pH meter وهي طريقة بسيطة ونعرفها منذ كنا طلاباً. وعندما قمت بالقياس امامه اتهمني بانني مبذر وغير اقتصادي  لانني نظفت الكاتود ( راس جهاز المقياس الزجاجي ) ومسحته بقطعة صغيرة من ورق الترشيح الخاص قبل وبعد الفحص. ثم أضاف مردداً جملة كانت في نظري عنصرية ظهرت في بعض الاوساط اليمينية بعد ازمة البترول في السبعينات من القرن الماضي : " لا نملك بترول ولكن نملك افكار" . وكان معنا فرنسي اخر نظر اليه بانزعاج بعد ان صدم من ذلك القول . اما انا فقد تركت العمل فوراً وذهبت لرؤية د. محمود القريب مني فقال لي ماذا حدث لك يا نعمان ان معالم وجهك تنبأ عن حدث كبير فاخبرته بما حدث واعلمته انني لن اعود للعمل الا بعد ابعاد هذا الشخص عنا. واعلن تضامنه معي وكذلك عامر قدوري وكافة الزملاء وخرجنا من مكان العمل بعد ان اغتسلنا وغيرنا ملابسنا كالعادة وتوجهنا الى قسم ادارة الشركة المجاورة للمختبر والتي تقع فيه مكاتبنا القريبة لمكاتب المسؤولين ومنهم مدير الشركة  وأعلمناهم بما حدث . انزعج المسؤول عن الحلقة التدريبية وهو عالم وطبيب بيطري قدير وقرر الدخول معنا فوراً الى المختبر لتوبيخ ومعاقبة ذلك الشخص لارتكابه خطأين الاول هو خطأ علمي لا يغتفر اذ يجب مسح رأس مقياس الجهاز قبل وبعد الفحص او بين فحصين لتجنب الحصول على نتيجة مغلوطة والخطأ الثاني هو عبارته غير المؤدبة و الغير مبررة. وبالفعل قدم ذلك الشخص اعتذاره ثم عوقب وابعد عنا ولم القاه مرة اخرى. 

وللحقيقة والتاريخ فان منشأ الجملة المذكور و التي اصبحت مثلاً يضرب فيه  لم تكن بالاصل ذات طابع عنصري. ففي عام 1976 اي بعد ازمة النفط  قام وزير المالية الفرنسي انذاك "جيسكار ديستان" ( اصبح فيما بعد رئيس الجمهورية ) بإجراء يقضي بتعديل الوقت وذلك من خلال تقديم الساعة في الشتاء ساعة واحدة وتأخيرها في الصيف ساعة واحدة لغرض اقتصادي بحت وهو ترشيد استخدام الطاقة . ثم اطلق الوزير عبارة " نحن في فرنسا لا نملك بترول ولكن نملك افكار" للدلالة على فاعلية فكرته. واستمرت فرنسا في اتباع طريقة تعديل التوقيت الصيفي  والشتوي الى الان ، ولكن الجملة اصبحت مثلاً يقال في مناسبات عديدة ولأغراض مختلفة وفي بعض الحالات تخلق نوع من الحساسية .

كنا نتناول وجبات الغذاء في مطعم المختبر ( قسم الانتاج ) وكانت نوعيته ممتازة ، وفي هذا المطعم بالذات اكتشفت الفروقات الاجتماعية والطبقية التي نادراً ما تلاحظها او بالأحرى تلمسها في الشارع او في الحياة اليومية. وقد انتبهت لهذا في البداية عندما اكتشفت ان مكاتبنا نحن الكوادر القادمة من العراق كانت تقع في بناية ادارة الشركة حيث تقع مكاتب  المدراء والمسؤولين والخبراء وجلهم من الاطباء عدا السكرتيرات. وفي جناح في الطرف الاخر ويفصله عن بنايتنا درج ورواق تقع مكاتب بقية الموظفين والعاملين الاخرين ( ذاتية عمال الخ ). في المطعم ، لاحظت ان هناك جناح اعتاد الاطباء ارتياده واخر للعمال وكان الاطباء يصرون على ان نأكل معهم . كان معنا زميل هو د. علي حسون  وهو انسان لطيف ويحب لعبة كرة القدم كون علاقة صداقة مع احد العاملين في المختبر ممن لهم نفس الهواية وفي احدى المرات تناول معه الطعام على نفس المائدة التي كانت تضم عمال فقط ، مما ادى الى امتعاض وربما انزعاج بعض الكوادر الفرنسية ومفاتحته بالموضوع. ولأجل ان اكون منصفاً وصادقاً فانني لم اشاهد مثل هذا التمييز او التصرف في اي مكان اخر في فرنسا وعلى مر اكثر من 35 عاماً الماضية. بل ان العامل الفرنسي يعامل دون اي تمييز ويحظى باحترام كبير ، والعامل نفسه يحس بثقة عالية بنفسه وارى قسم منهم يدخلون المطاعم بملابس العمل دون اي اشكال.

في احدى المرات دخلت الى مطعم المختبر واتجهت الى المرافق لغسل يدي واذا بي اجد امامي احد الاساتذة الفرنسيين ومعه استاذ امريكي زائر طاعن في السن فقدمني له وعندما علم انني عراقي فرح واخذ يكلمني بالانكليزية وقال لي ان د. جواد العبيدي كان تلميذه. ودكتور جواد العبيدي هو طبيب بيطري وعالم عراقي مختص في علم المايكوبلازما ( Mycoplasma ) وقد شيد في العراق اول مختبر في هذا المضمار و عندما جرى هذا الحديث كان منصبه وكيل وزارة التعليم العالي ان لم تخني الذاكرة. وقد كان محط اهتمام المسؤولين في العراق الذين حثوه على العودة من أمريكا الى العراق للاستفادة من خبراته في السبعينات من القرن الماضي. وقال الاستاذ الامريكي ان اخبار هذا العالم اخذت تتقلص بعد ان كان يراسله باستمرار " ويبدو ان د. جواد العبيدي يعاني من مشاكل ادارية في العراق ". وعندما لاحظ الاستاذ الفرنسي اهتمام البروفيسور الامريكي بي ورغبته في تجاذب الحديث معي ، اقترح علي ان اتناول الغذاء معهما على نفس المائدة واصر ان اجلس بجوار العالم الامريكي  ، وهذه ايضاً من العادات الجميلة في المجتمع الفرنسي. الذي فهمته من الاستاذ الامريكي انه حضر الى فرنسا بناء على دعوات متكررة من كوادر الشركة العلمية للاستفادة من خبرته الطويلة في مجال جرثومة المايكوبلازما ، ولكنه اثناء الغداء ترك الاخرين واستمر في الحديث معي ، وكم اسعدني عندما رأيته يقشر برتقالة بأصابع يده وليس بالسكين كما هو المتعارف عليه  هنا .
 
سفرات قصيرة الى جنيف وجنوب فرنسا والبرازيل :

من مدينة ليون قمت بسفرة سريعة الى مدينة جنيف فهي تبعد مسافة 150   كلم وحوالي ساعتين بالقطار وبقيت فيها يوماً كاملاً وكانت تلك هي سفرتي الاولى لها. ومن مدينة ليون قمت بسفرة سياحية الى منطقة جنوب فرنسا شملت موناكو ، مونت كارلو ، كان ، نيس ومدينة الزهور والعطور كَراس . لا تزال تلك السفرة عالقة في ذهني فهي قد تمت في يوم 1 ايار من عام 1980 ، وقد كانت سفرة جماعية في باص خاص نقلنا الى تلك المدن وكنت المشارك الاجنبي الوحيد في السفرة. لم اكن اعلم في ذلك الحين ان يوم 1 ايار والذي يصادف عيد العمال هو عطلة رسمية في فرنسا " الراسمالية " اليس هذا عجيباَ !! ، لذا فإنني قد فوجئت عندما اكتشفت ان كل وسائل النقل التي يمكنها ايصالي الى موقع الباص الذي ينقلني في تلك الرحلة معطلة بسبب ذلك العيد. فاضطررت الى الهرولة والركض ، ومع هذا فقد وصلت متأخراً مدة ربع ساعة وكان الباص بانتظاري وجاهزاً للسفر.  وفي هذا الباص تعرفت على مجموعة من الفتيات اللواتي يعملن في مؤسسة تعني بالاطفال المعوقين وتبادلنا الاحاديث بعد فترة قصيرة من تحرك الباص. وعندما توقف الباص في منتصف الطريق لتناول الغداء اجتمع الركاب حول مائدة واحدة في صالة المطعم وكنت سعيداً بصحبة هذه المجموعة من الناس واتبادل معها الاحاديث.

كان امامي رجل عجوز بمعية زوجته وينظر لي من حين الى حين بطريقة لم تعجبني وعندما علم انني عراقي انفجر امامي والقى القنبلة التالية " انتم العراقيون قد قتلتم ملككم فيصل ". توقف الجميع عن الحديث وعن الضحك منبهتاً بسبب تلك الجملة غير المبررة والتي لا تتناسب واجواء السفرة او تلك اللحظات الممتعة التي كانت تتخللها الضحكات. ولم اتردد في الجواب ، فقد تعودت على ايجاد اجوبة سريعة تنطلق من فمي تلقائياً  في احرج اللحظات ( ولطالما سببت لي مشاكل في العراق ) ، فرفعت يدي مشيراً الى كل الحضور وشملتهم بردي قائلاً " وانتم الفرنسيون قد قطعتم رأس مليككم لويس السادس عشر مع زوجته الملكة ماري انطوانيت" واذا بالقاعة تضج بالتصفيق تأيداً لي وربما ايضاً اعراباً عن سخطهم من هذا العجوز الذي اراد ان ينغص عليهم فرحتهم بالعطلة والسفرة السياحية ، ورغم انني لم انطق اسم لويس صحيحاً اذ ان السين لا يلفظ في الفرنسية. وعندما صعدنا الى الباص قدمت الفتيات انفسهن لي بالاسماء وكن اربعة يعملن في مدرسة واحدة تبعد بضعة كيلومترات عن مدينة ليون ، واصرت هذه المجموعة على تقديم الشراب لي حيث توجد ثلاجة في الباص ويمكن شراء الماء والمشروبات الاخرى. ثم تحدثن عن الرجل العجوز باعتباره شخص عنصري لا يمثل سوى نفسه ولا يوجد راكب واحد يتفق مع طروحاته . وقد تكونت علاقة صداقه بيني وبين اثنتين من المجموعة ، استمرت لعدة سنوات وسأعود الى الحديث عنهما لاحقاً. ومن ليون سافرت الى باريس مرتين الاولى بمناسبة اعياد الميلاد ورأس السنة والثانية بمناسبة انعقاد الصالون الزراعي العالمي الشهير والذي ينعقد سنوياً في باريس.

كان من ضمن برنامج التدريب السفر الى البرازيل في الشهر الاخير للاطلاع على مختبر الحمى القلاعية الذي شيدته الشركة الفرنسية هناك . وهو مختبر ضخم اذ ان الثروة الحيوانية في البرازيل كبيرة جداً اذ يوجد هناك 100 مليون رأس من الابقار وهو رقم كبير ( في العراق كان العدد هو 4 ملايين والان تقلص الى النصف ). وقد كنا اربعة عراقيين وخبير فرنسي  يفترض ان يعمل لاحقاً معنا في العراق بعد اكمال تشييد المختبر. لقد بقينا في البرازيل حوالي 10 ايام زرنا فيها المختبر وعند مرورنا بمدينة ريو دي جانيريو توقفنا بعض الوقت لزيارة معالمها السياحية الرئيسية. 

 
في الشهر السادس من عام 1980 عدنا من فرنسا الى العراق ، وقد آلمني فراق فرنسا وبالذات باريس بعد ان اكتشفتها واكتشفت طعم الحرية و قد سالت دمعة من عيني انتبه لها احد زملائي وهو يتصور انها دمعة الفرح بالعودة. اية فرحة وانا سأعود الى بلدي الذي اصبح سجناً كبيراً ومزرعة للخوف والاعدامات. اسير في شوارع فرنسا واجلس في مقاهيها واتحدث مع الناس بكل حرية دون ان التفت بحذر خوفاً من ان يكون هناك من يراقبني . عدت مع زملائي بعد اصرار د. عامر قدوري على ان نعود كلنا سوية خوفاً من يتخلف احد ما ، وبعد العودة وصل الى علمنا ان واحد او اثنين من المهندسين تخلفا و لم يعودا الى العراق واحدهم قد سافر الى المانيا واستقر فيها .


 
 
عام العودة الى العراق ( 1980 – 1981 )


أجواء ما قبل الحرب :

عدت الى الوطن وسط فرحة الاهل والاقارب وكنت قد هيأت نفسي للعمل الجدي واثبات مقدرتي العلمية علها تشفع لي وتجنبني متاهات الضغوط النفسية والسياسية التي كنت واثقاً من قرب تعرضي لها. وبانتظار افتتاح مختبر الحمى القلاعية الذي لم يكتمل بعد التحقت بالعمل الذي كنت امارسة قبل الايفاد واقصد مديرية المختبرات واللقاحات البيطرية في ابو غريب. وبعد فترة قليلة التحق بنا ، في شعبة الهستوباثولوجي ، د. امجد صادق وهو طيب بيطري قد حصل على شهادة الماجستير في الكيمياء الحياتية من مصر. وقد اصبح هذا الانسان الطيب والوفي صديقي وكنت استأنس بحكاياته وكان يقص علي ما يحدث في الكواليس ، وقد اعلمني في احدى المرات ان د. عباس عصفور الطبيب البيطري والعالم العراقي ( كتبت عنه مقالة قبل سنة في منتدى ايامنا ) قد القي القبض عليه في مطار بغداد وهو ينوي التوجه الى الولايات المتحدة الامريكية للمشاركة في مؤتمر علمي تلبية لدعوى تلقاها في ذلك الحين. ثم اعلمني انه قد اعدم بتهمة الانتماء الى حزب ديني محظور. وقد صعقني الخبر ولم اكن اتصور ان القائمين على حكم العراق يمكنهم التفريط بمثل هذه الكفاءة النادرة. وكان هذا نذير شؤم ويعني انه لا شفيع عندهم لا العلم ولا المعرفة ولا حتى الاخلاص للوطن. والحقيقة هي انني عندما دخلت بغداد فوجئت بصور وملصقات كبيرة لرجل بملابس مختلفة : تارة بالجراوية البغدادية الحمراء او الجنوبية السوداء او بالقبعة او أو أو . ولم اتعرف عليه في البداية بسبب غيابي عن العراق عاماً كاملاً  فتصورت انه ممثل او نجم جديد ، فسألت صديق كان معي فقال لي " ما ذا جرى لك هذه هي صورة السيد الرئيس حفظه الله ".

اتذكر في احدى المرات ذكر  د. صائب حلبية اسم صدام  دون لقب  فتصدى له مضمد بيطري كان حاضرا وذكره بضرورة القول السيد الرئيس صدام حسين ، وهنا تذكرت حادثة وقعت قبل اكثر من عام ( في اوائل 1979 ) مع صائب حلبية بالذات ذكر فيها ايضاً اسم صدام المجرد بحضور رئيس لجنة مشتريات المختبر الذي استنكر وقال لدكتور صائب حلبية : عليك ان تقول السيد النائب. وسط هذه الاجواء كان د. امجد صادق ينقل لي آخر الاخبار : شيخ العشيرة الفلاني قد اعدم ، رجل الدين الفلاني اختفى و و . ثم جاءني في احد الايام مستنكراً لما جرى في اجتماع مع المدير العام د. نجيب ياسين الذي قال للمجتمعين ما معناه " من الان وصاعداً يمنع منعاً باتاً ترشيح اي طبيب بيطري للدراسات العليا في الخارج ان كان هذا الشخص من المذهب الفلاني وأضاف نحن نحترم هذا المذهب ولسنا ضده ولكن خوفاً من ان نكتشف لاحقاً ان المرشح ايراني ، انه اجراء احترازي ".

توكلت على الله وانطلقت في تحقيق بعض المشاريع بانتظار افتتاح المشروح فبدأت وبالتعاون مع الصيدلي حمزة علي وباحثتين مها محمد علي و وفاء طايس التكريتي لاجراء مسح عام لكمية الكالسيوم والفسفور والمغنسيوم في دم الابقار في العراق ولم يكتمل بسبب سفري النهائي الى الخارج.  ومن المشاريع التي كنت اخطط لها وكتبت طريقة عملها دون اتمامها بسبب سفري هي :1- الاعشاب السامة في الصحراء / تحديد واستخلاص انواع المواد السامة الموجودة في تلك الاعشاب. 2 – مسح عام لفحص المعلبات المستوردة وقياس كمية الزئبق والرصاص للتأكد من خلوها من نسب تتجاوز المسموح فيه 3 – مسح عام لقياس كمية الزئبق في اجسام الطيور المهاجرة مثل الخضيري.4 – دراسة التغيرات النسيجية المصاحبة لمرض نقص معدن النحاس ( ابو خويرين ) في الطليان العراقية. وهو مرض موسمي يؤدي الى هلاكات كبيرة وصعب التشخيص السريري.5 – مقالة عن الزئبق وتلوث البيئة.
 
في مزرعة صدام حسين في الرضوانية :

اما الان فإليكم هذه القصة الحقيقية المثيرة التي حدثت بعد فترة قصيرة من عودتي الى العراق. اعتاد دكتور صائب حلبية القيام بفحوصات تشريحية على جثث بعض الحيوانات النافقة لمعرفة اسباب الوفاة في المشرحة التابعة الى شعبتنا. وقد اعتدت ان ارى من حين الى حين شخص بشارب كثيف وتقاسيم وجه صارمة يقود سيارة بيكاب وينزل منها ليتحدث مع د. صائب. فسألت عنه فقال لي انه يعمل في مزرعة الرئيس صدام حسين ويراجع المختبر لاجراء الفحوصات وخاصة التشريحية منها على بعض الحيوانات المريضة او الهالكة. في احد الايام جاء هذا الشخص كالعادة يقود البيكاب ونزل منها  د. رزاق قسطو ، الذي كان ايضاً موفداً معنا الى فرنسا ، وتقدم نحوي بسرعة وعلامات الجد والانفعال والقلق تعلو محياه وقال لي  و دون  مقدمات ما معناه " د.نعمان تعال معي نحن بحاجة لك " فوبخته على طريقته في الكلام. قال لي نعمان منذ عودتي من فرنسا وانا مكلف بمتابعة الشؤون الصحية لحيوانات مزرعة السيد الرئيس في الرضوانية واننا الان محتاجين لك ونريد ان نستشيرك والمسألة مستعجلة وسرية. ولم يترك لي حرية التحرك او الكلام فذهبت معه وكان السائق ينتظرنا خلف المقود وجلست في الخلف مع عبد الرزاق الذي كان عبوساً على غير عادته حيث تعودنا عليه مبتسماً وممازحاً. وحل الصمت المطبق خلال الرحلة كما ان شكل السائق لم يشجعني على طرح اي سؤال. واخيراً وصلنا الى المزرعة حيث بقى السائق بالسيارة وكأنه في حالة انذار وتبعت د. عبد الرزاق قسطو الذي كان يسير بخطوات سريعة. واذا بنا نصل الى سياج احدى الحقول و كان هناك ينتظرنا د. سعدون الدليمي مدير قسم المختبرات  متكأ على السياج ، فصافحني ورحب بي وانا في الواقع احب هذ الانسان الذي يحترمني كثيراً والذي يتمتع بقابليات ادارية جيدة ويحترم المنتسبين في دائرته كما ان الابتسامة لا تفارقه ابداً عدا هذه المرة. وعندما سألته كيف الحال ؟ اجابني مغنياً ومردداً مقطع أغنية سليمة مراد بصوت حزين " وانت بطرب وبكيف والبيه بيه " فاعدت عليه السؤال خير ان شاء الله وردد من جديد ذلك المقطع للأغنية. ثم ابتسم ابتسامة باهته وقال لي ما معناه : " لدينا مشكلة كبيرة" فهنا في مزرعة السيد الرئيس توجد ابقار مريضة و واحدة على وشك الهلاك واخرى قد ماتت ، والعامل ( اكرر العامل) الذي يعتني بالحيوانات يعتقد ان البقرة الميتة ماتت مسمومة. ثم اعاد ترداد مقطع " وانت بطرب وبكيف والبيه بيه " واستطرد قائلاً : " عيني دكتور نعمان دتشوف شلون وضعي ، اني كمدير المسؤول الاول المكلف  بمتابعة صحة حيوانات المزرعة ، وكلام العامل يعطي انطباع ان هناك من يسمم ابقار السيد الرئيس ، و تلك الابقار هي مصدر لحوم وحليب الرئيس. اذاً من هو الذي يريد تسميم الرئيس صدام حسين ؟. وطلب مني مساعدته في تشخيص المرض وهل هو حالة تسمم ام لا . ذهبت معه لفحص الابقار وفي الطريق اخذت اسألهما عن الاعراض المرضية وحالة بقية القطيع فانا لم اصدق حكاية العامل الذي ارعبهم فهو مجرد فرد يحرس الحيوانات ويعطيها العلف والماء وغير ذلك من الاشياء التي لادخل لها بالصحة الحيوانية. كما ان الاعراض التي ذكروها لي اوحت لي بمرض البروسيلا او ما يسمى  "الحمى المالطية " و تسببه نوع من انواع الجراثيم.  وبعد ان اجريت الفحوصات طمأنت زميليَّ بان اعراض المرض لا تشير ابداً الى احتمال التسمم واقترحت أخذ عدة عينات وتقسيمها الى ثلاثة مجاميع : المجموعة الاولى تفحص في مختبرنا المجموعة الثانية ترسل الى المعهد الكيميائي العدلي الموجود في بغداد والمجموعة الثالثة تحفظ كاحتياطي يمكن الرجوع اليه عند الضرورة. وشعرت ان د. سعدون الدليمي قد شعر بالراحة نسبياً واختفت علامات القلق من محياه وعادت الابتسامة الى وجهه .

 وبعد اجراء اللازم اخذنا العينات ( انا وعبد الرزاق ) وانطلقنا بالسيارة متجهين الى المعهد الكيميائي في بغداد. وانتظرت في احدى الاجنحة ريثما يسلم عبد الرزاق العينة والرسالة المرفقه معها ، وعاد بعد لحظات وعندما اردنا ان نترك المعهد جاء مدير المعهد مهرولاً ليوقفنا وهو يكاد ان يرتجف وقال ما هذا ؟ لماذا مكتوب على الرسالة شخصي  ومستعجل وسري للغاية ؟ فشرح له رزاق مصدر النماذج فازداد ارتجاف مدير المعهد الكيميائي الى حد انه اثار الشفقة في نفسي. بعد هذه الحادثة لم يعلمني احد عن نتيجة الفحوصات وكأنني لم اكن المحرك الرئيسي لها. ولكني استنتجت ان الامور على ما يرام من خلال عودة الابتسامة وروح المرح الى زميليَّ العزيزين.
 
 
الحرب العراقية الايرانية :

بعد اربعة شهور من عودتي الى العراق اي في شهر ايلول انطلقت الحرب العراقية الايرانية وكانت حرباً ضروساً استمرت 8 سنوات وأحرقت الاخضر واليابس. وخرج منها البلدان المتجاوران خاسران بمعنى الكلمة ، وربما لو كان احمد حسن البكر في سدة الحكم لما حدثت تلك الحرب ، فهو عسكري يعرف ماذا تعني الحروب وويلاتها فما بالك ان كانت بين بلدين متجاورين. دخل العراق تلك الحرب بتشجيع ومساندة من الولايات المتحدة الامريكية التي صدمت بخسارة الشاه ومن اجل تحرير الرهائن الامريكيين الذين تم اسرهم في السفارة الامريكية بطهران ، وايضاً بتشجيع ودعم من بعض الدول العربية وفي مطلعها دول الخليج التي كانت تخشى من امتداد الثورة الايرانية اليها. اما  صدام فانه اراد الغاء اتفاقية الجزائر والاستيلاء على قسم من المدن الحدودية باعتبار ان فيها اغلبية سكانية من العرب. والغريب هو هذه القرارات المتناقضة  اذ ان النظام العراقي في عهد صدام قد اقدم على تسفير عشرات الالوف من العراقيين بحجة انهم من اصول ايرانية  ومن هؤلاء اشخاص من اصول تعود الى تلك المدن التي هي  " عربية " في نظر صدام . توهم صدام انه بعد الاستيلاء على تلك الاراضي والذي انجز خلال الايام الاولى من المعارك يستطيع ايقاف الحرب والتمسك بتلك الاراضي وعلى طريقة الحروب العربية الاسرائيلية ، متناسياً ان الشعوب تقاوم وتدافع عن اراضيها حتى لآخر نفس ، وان ايران ليست دولة عربية والعراق ليس اسرائيل. وكلنا يعرف البقية فان الحرب التي كان مخططاً لها ان تستمر بضعة ايام او بضعة اسابيع استمرت 8 سنوات وسط خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية ونفسية هائلة وباهظة التكاليف لكلا الطرفين.

كان البلد يعيش حالة طوارئ جديدة وقد طلب من دوائر الدولة اليقظة و والقيام بالخفارات اليومية ومنها دائرتنا : مديرية قسم المختبرات والبحوث البيطرية في ابو غريب. وفي صباح احد الايام جئت الى المديرية وهي مؤسسة كبيرة المساحة و تحوي على اجنحة كبيرة ومتعددة فوجدتها قد اصبحت مزرعة من القنابل والصواريخ مختلفة الاحجام والانواع موزعة هنا وهناك. استفسرت عما جرى فقيل لي ان انفجارات عرضية قد وقعت البارحة في احد مستودعات الاسلحة في منطقة غير معروفة لحد الان وسقط  قسم منها فى مختبرنا  ولحسن الحظ لم تنفجر ولكنها تركت آثاراً على الاماكن التي سقطت عليها. وقد حدثني الموظف الذي كان يقوم بالخفارة في تلك الليلية ان صوت الانفجارات التي وقعت في المستودع  كان مدوياً ويسمع في منطقة ابو غريب والمناطق القريبة منها وانه عاش ليلة رهيبة.

ووسط هذه الاجواء جاء الى العراق ممثل الشركة الفرنسية د. ديفور وهو الخبير الذي سافر معنا الى البرازيل و من المقرر ان يشرف ويواكب  تشغيل مختبر الحمى القلاعية في العراق بعد اكماله ، وقد احتارت به مديرية البيطرة العامة بسبب اجواء الحرب وانشغال الجميع بها. وقد كلفتني المديرية بمصاحبته و الخروج معه بعد الدوام فدعوته لتناول الطعام في احد المطاعم القريبة من الجندي المجهول ، وكان قلقاً بسبب الحرب وخائفاً من ان تستمر طويلا مما يؤثر ذلك على اكمال المشروع. وللعلم فان الشركة الفرنسية نفسها سبق وان شيدت مختبر كبير لانتاج لقاح  الحمى القلاعيية في ايران وهو يعمل وينتج اللقاحات  للاستهلاك المحلي ومن المفترض ان يزود بها لاحقاً دول اخرى في الشرق الوسط. وفي المطعم كان د. ديفور يردد امامي قائلاً يجب ايقاف هذه الحرب ... يجب ايقاف هذه الحرب ، ولم اجب اذ لا احد يعرف متى تنتهي تلك الحرب التي كانت في بدايتها. عاد د. ديفور الى فرنسا واستمرت الحرب وقد حقق العراق في بداياتها انتصارات عسكرية وكانت فرنسا من ضمن الدول الغربية التي ساعدت العراق في تزويده بأحدث الاسلحة والصواريخ ، ومنها تلك الصواريخ التي قتلت عدداً من الامريكيين عن طريق الخطأ.

وبعد فترة قليلة من الحرب ( ربما شهرين او اكثر بقليل ) تلقى العراق اقتراح من الشركة الفرنسية المسؤولة عن تشييد مختبر الحمى القلاعية. الاقتراح يدعو الى ان يكون العراق مقراً بديلاً عن ايران في انتاج لقاح الحمى القلاعية لتزويد الدول الاخرى به وخاصة دول الشرق الاوسط والحجة المذكورة هي ان العراق  اكثر استقراراً من ايران. وصل الاقتراح على شكل دراسة الى جهات عليا في العراق وهذه الجهات طلبت من وزير الزراعة ابداء الرأي ، والوزير احال الملف الى مدير البيطرة العامة الذي احاله بدوره الى مدير قسم البحوث واللقاحات البيطرية. والمسألة لم تنتهي عند هذا الحد اذ ان المدير الاخير احال الملف الى د. عامر قدوري المدير العراقي لمشروح الحمى القلاعية. كل هذه الحلقات والإحالات تدل على مدى الخوف الذي كان مسيطراً على الموظفين بدءً من الدرجة الاولى ونازلاً ولا يستطيع اي مسؤول ان يتجرأ ويبدي رأيه سلباً او ايجاباً خوفاً من العواقب ومن ان يتهم بانه قد اتخذ قراراً خاطئاً وتخطى المراجع المختصة. القضية لم تتوقف عند هذا الحد ، يا عزيزي القارئ ، اذ ان د. عامر قدوري احال الملف لي أنا مذيلاً بعبارة يرجى الاطلاع  وإبداء الرأي ( وهي العبارة المكررة عدة مرات من قبل جميع المصادر التي اطلعت على الملف ). وبما انني لست غبياً الى الحد الذي يجعلني اتخذ قراراً هو من صلاحية وزير فما فوق رفضت استلام الملف و اعدته الى عامر وقلت له لا انا ولا انت ولا حتى المدير العام يستطيع ان يقرر ويبدي رأيه في موضوع كهذا. ربما الشركة الفرنسية ارادت ولاسباب سياسية واقتصادية استغلال الحرب لتوسيع او تغيير مسارات مشاريعها ، وبما اننا في حالة حرب فان اتخاذ القرارات في هذه الحالة وتحت هذا الوضع يخرج من صلاحيات الموظف او المسؤول العادي . لذا فان الموضوع هو سياسي بالدرجة الاولى ويقتضي تشكيل لجنة مختصة من الخبراء  تشكل من قبل رئاسة الجمهورية او المجلس الزراعي الاعلى لدراسة مدى اهمية وصلاحية المشروع اما القرار النهائي في ذلك الوقت فهو سياسي ويعود الى رئاسة الجمهورية .
 
 
الاعداد للهجرة النهائية :

في هذه الاثناء كنت اتابع دراستي للغة الفرنسية في المعهد الثقافي الفرنسي ، الذي لا يبعد كثيراً عن مكان سكناي. وكانت تلك فرصة لي للتنفيس والترويح عن النفس خاصة و ان اصدقاء مقربون لي قد غادروا العراق اما للدراسة او الهجرة ( مثل اصدقاء العمر جعفر وابن خالتي الصيدلي محمد ) فشعرت ببعض الوحشة والغربة. وفي العمل ازدادت من جديد الضغوطات وطلب املاء الاستمارات التي تتناول كل الامور الشخصية والعائلية ومنها الميول والانتماءات السياسية. وكان المسؤول الحزبي للمختبر مضمد بيطري ويمكنه بتقرير بسيط ان يرسلك الى التهلكة. الكل ينافق ويبجل بصدام وينظر لك منتظراً ان تقلده في ذلك التملق والنفاق. وشيئاً فشيئاً شعرت انني محاصر والحلقة تضيق الخناق علي ولابد لي من القيام بشيء قبل فوات الاوان.

في الشهر الخامس من عام 1981 التقيت والدي رحمه الله وحدثته بصراحة قائلاً ليس لدي سوى ثلاثة خيارات : الخيار الاول ان ابقى هكذا صامداً مقاوماً لوحدي وستكون النتيجة اما السجن او الموت ، الخيار الثاني ان اقبل بغسيل الدماغ والدخول معهم وهذا يا ابي انتحار بمعنى الكلمة فانا لا اؤمن بتلك الافكار الفاشية ولا اتقبل غسيل الدماغ وسأنتهي منتحراً . الخيار الاخير هو ان اترك العراق واذهب الى فرنسا وفي هذه الحالة سابقى حياً وعندما تخف الامور وتهدأ سيمكنني الاتصال بكم. وافق والدي على هذا الرأي واعتبرت موافقته مبدئية ومباركة لي. ولحسن الحظ فان منع السفر الى خارج العراق بسبب الحرب لم يكن قد صدر بعد ، وانما صدر بعد خروجي بيوم او يومين.

هنا كان علي ان اتهيأ وان اهيأ وأمهد السبل الكفيلة للسماح لي بالسفر واقناع دائرتي بإعطائي اجازة الى خارج العراق . لقد اقدمت على اكثر من وسيلة ووسيلة توحي بان سفري الى الخارج مبرر وان عودتي الى البلد مؤكدة. وقد كتمت نيتي في عدم العودة الى العراق حتى على اقرب الناس لي ولم يعرف به سوى شخصين او ثلاثة. في ذلك الحين ، كانت احدى أخواتي في انكلترا برفقة زوجها الذي يدرس هناك ، فقلت انها مريضة وقدمت طلباً لمنحي اجازة لمدة 45 يوماً لعيادتها هناك والعودة بعد ذلك الى العراق مروراً بفرنسا. تظاهرت بأنني تعرفت على فتاة في المعهد الثقافي الفرنسي واشعت انني انوي الزواج منها بعد عودتي الى العراق وسفرتي ستكون ايضاً مناسبة لشراء هدايا الزواج من الخارج. قلت لزملائي انني مستعد لشراء بعض الحاجيات او الهدايا التي ترغبون فيها مثل العطور شرط ان لا تكون ثقيلة وشرط ان لا استلم اي مبلغ الا بعد العودة . سفري كان في الشهر السادس والجو حار لذا لم آخذ معي ملابس شتوية كي لا اثير الشكوك وبالفعل بقيت بدون معطف في شتاء السنة الاولى في فرنسا. لم انهي عقد اجار سكني في بغداد ولم امس اية حاجة هناك واعطيت المفاتيح لاحد اقاربي. وكلت زميل لي هو الصيدلي حمزة على استلام راتبي اثناء غيابي واعطيته صلاحية التصرف به . كنت قد وفرت مبلغ من المال ومن ضمنه رواتبي طيلة عام كامل عندما كنت في فرنسا ، وقررت ان آخذه معي الى الخارج فقد كنت ادرك انه  يجب الاعتماد على نفسي في البداية ولحين الحصول على عمل مناسب يتلائم وتحصيلي العلمي.
 
اتفقت مع احد اقربائي للسفر سوية الى لندن ثم الى باريس وكان قريبي معتاد على السفر في كل صيف للسياحة ، وقد سره ان يكون بصحبته شخص يعرفه. وقبل السفر اصررت على اخذه الى استاذي الذي عملت معه عدة سنوات د. انور الاوقاتي طبيب الباطنية المشهور لاجراء بعض الفحوصات لانه كان يشكو من ارتفاع في الضغط الدموي وعمره جاوز الخمسين عاماً. وانتهزت الفرصة لاطلب منه توصية قد تفيدني لإكمال دراستي في الخارج ، وللاسف لم استخدمها فقد كانت مطبوعة على ورق عادي لا يشير الى اسمه الكامل وعنوان وظيفته وهذا يفقدها قيمتها ويثير حتى الشك بمصداقيتها.

 سافرت في يوم 12 حزيران عام 1981 وكانت اجواء الحرب العراقية الايرانية تطغي على الحياة اليومية وعلى التنقلات والرحلات الجوية لذا كان اقلاع الطائرة بعد منتصف الليل . لقد أخذت معي حقيبة كبيرة وضعت فيها معظم الحاجات الضرورية الملائمة لسفرة مدتها 45 يوماً لا اكثر كي لا اثير الشك .ولكن خاطرت كثيراً اذ حشرت بين الملابس معظم وثائقي الضرورية الدراسية منها والادارية ( البحوث و اطروحة الماجستير وتقرير التدريب والشهادات الدراسية و الاوامر الادارية ) ووصل عددها الى اكثر من 70 وثيقة. كما وضعت في جيب سترتي دفتر النفوس ودفتر الخدمة العسكرية  وكنت اتصور انها وثائق ثبوتية ضرورية في مطار بغداد وعندما فتشوني عثروا على تلك الوثيقتين واحتفظوا بها لحين عودتي بحجة انه ممنوع اخراجها. واخذت معي كاسيتين لناظم الغزالي وكاسيت لزهور حسين حشرتها ايضاً بين طيات الملابس. ولحسن الحظ كان التفتيش سريعاً فلم يعثر الاغبياء لا على الوثائق ولا علا الكاسيتات وانصب اهتمامهم على الوثيقتين المذكورتين. ركبت الطائرة وعندما حلقت تنفست الصعداء : لقد كتب لي عمر جديد وحياة جديدة بعيدة عن هموم المراقبة والتجسس وملئ الاستمارات والتقارير التي يكتبها عديمي الضمير.

 
نعمان
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1468
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: تجربتي في فرنسا

مشاركةالأحد مارس 04, 2018 2:02 am


الأخالعزيز د.نعمان المحترم
شكرا على هذا الجانب المهم من مذكرات حياتك , وخصوصا انه دار في فترة تعتبر من أهم وأعقد الفترات التي مرت بتاريخ العراق الحديث والتي غيرت بشكل صارخ مساره بزاوية تعتبر في راي تقارب 180 درجة نحو الوراء . يبدوا ان ايفادك الى فرنسا لاول مرة هو الذي خلق فيك الاعجاب الشديد بهذا البلد والذي دفعك للاستقرار به فيما بعد ؟ وكشخص ذو ميول يسارية يعتبر هذا الامر غريبا بعض الشيء لان اغلب من عرفتهم ممن يحملون مثل هذه التوجهات انتهى بهم المقام بالمانيا الشرقية او جيكوسلوفاكيا أو غيرها من دول اوربا الشرقية . لم اجد في قصتك ما يشير الى تعرضك الى ظروف صعبة وقاسية كالملاحقة والإعتقال , لكن من الواضح ان جل ما كنت تعانيه هو الإختلاف العقائدي الذي كان يسبب لك معاناة نفسية قوية . اتذكر رواية مماثلة للدكتور عدنان الظاهر الذي هو الاخر يحمل افكار يسارية والذي كان يعاني كما يبدوا من نفس المشاعر التي وردت في قصتك والتي دفعته فيما بعد الى الهجرة الى عدة دول حتى انتهى به المقام في المانيا . ان توثيق مثل هذه القصص مهم جدا لانه يشير بشكل او باخر الى الأجواء العامة التي كانت تهيمن على البلد ويوضح الظروف القهرية التي كان يعيش بها المواطن والتي تحولت فيما بعد الى تاسيس جمهورية من الخوف من الطراز الاول . كنت انا قد كتبت عن احداث مماثلة مرت بحياتي في عقد الثمانينات , لكن الظروف التي كانت سائدة عندي هي ليست سياسية بقدر ما هي محاربة بالعمل والرغبة بتطويق النجاح وحتى قتله . احييك على هذا المقال ونحن بانتظار الحلقة التالية منه والتي تتضمن بدا حياتك في المهجر , وشكرا .
صورة
صورة العضو الشخصية
Wisam Alshalchi
رئيس الهيئة الادارية
رئيس الهيئة الادارية
 
مشاركات: 3821
اشترك في:
الخميس أغسطس 30, 2012 3:35 pm
مكان:
الاردن , الولايات المتحدة
  

Re: تجربتي في فرنسا

مشاركةالأحد مارس 04, 2018 9:39 pm


أخي وصديقي العزيز أ. وسام الشالجي

أشكرك جزيل الشكر على مداخلتك القيمة وتعقيبك الجميل وانا اتفق معك في كثير من النقاط الواردة فيه. ليست هجرتي الى فرنسا واختياري لها  بسبب اعجابي بها وحسب وانما املته الظروف. كانت سفرتي الى فرنسا هي اول سفرة لي الى خارج العراق ولو صادف الايفاد والسفرة الاولى الى بريطانيا او المانيا فربما كان اعجابي و اختياري يتم بشكل آخر. كما ان حصولي على فرصة عمل وعلى الجنسية الفرنسية ومن ثم تعرفي على زوجتي هنا قد ساهم في استقراري في هذا البلد.

بعد سنة الايفاد الى فرنسا لم افكر بالبقاء هناك بل عدت الى العراق  وكنت انوي العمل بجد وهمة في مشروع مختبر الحمى القلاعية وانجاز المهمة التي كلفت بها. لم اترك العراق نهائياً الا بعد ان شعرت ان حياتي قد اصبحت في خطر حقيقي وانني والى الان احمد ربي على خروجي فانا اعتقد انني قد نجوت من سجن او موت محقق. علماً انه قد سبق لي ان اعتقلت وعذبت لاسباب سياسية في عام 1963 لمدة تزيد عن 8 اشهر وفي عام 1965 لمدة اسبوعين. في مذكراتي ( تجربتي في فرنسا ) هناك بعض المسائل الشخصية لم اتطرق لها وتشكل احدى الاسباب الاخرى الموجبة لهجرتي وتشكل خطر على حياتي ان بقيت في العراق. ومع هذا فان هناك حدثاً قد وقع لي في لندن ، المحطة الاولى لسفرتي الثانية ، جعلني اتجاوز خط الرجعة واثبت لي ان امكانية العودة الى العراق والتي كانت نسبتها في ذلك الحين ضئيلة قد اصبحت مستحيلة ، وهذا ما سأتطرق له في الحلقة القادمة عندما انتهي منها.

 أخي الحبيب ابو زياد ..لقد تأثرت كثيراً بتحليلاتك المنطقية والمدروسة بعناية وأعجبتني كثيرا وهذا يشجعني في الاستمرار في الكتابة. اما عن موضوع الظروف التي كانت سائدة عندك وجلها تتعلق بالمحاربة في العمل والرغبة في تطويق النجاح وقتله فهو موضوع مهم ويستحق تناوله كتجربة يتعرض لها اهل الكفاءات والعلماء واصحاب القلم بشكل مكثف مقارنة باقرانهم من العاملين في حقول اخرى . وتشكل تلك المحاربة آفة تنهش وتمزق الوطن والضحية على حد سواء.

مع تحياتي
 
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1468
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: تجربتي في فرنسا

مشاركةالخميس مارس 08, 2018 6:25 pm


الاخ العزيز الاستاذ وسام الشالجي

اود ان اعقب على ملاحظتك الذكية عن البلد الذي يتجه اليه المهاجر اذ انك قد ذكرت ان اغلب من عرفتهم ممن يحملون الفكر اليساري انتهى بهم المطاف في دول اوربا الشرقية مثل المانيا الشرقية وجيكوسلوفاكيا. الحقيقة هي ان تحديد البلد الذي يهاجر اليه المغترب ليس بالشيء السهل ويخضع الى عوامل عديدة. فالهجرة الى بلدان اوربا الشرقية قبل انهيار انظمتها كانت تحددها شروط معينة ومنها الالتزام الحزبي والتثبت منه وهذا ما لم يكن متوفراً لدي اذ لم اكن في ذلك الوقت مرتبطاً بحزب معين. كما ان المهاجر لتلك البلدان عليه ان يتكلم لغة البلد او يتعلمها. ثم هل يمكن ان ننسى ان في كثير من البلدان الغربية ان لم يكن في كلها تيارات واحزاب يسارية واشتراكية وفي مقدمتها فرنسا ؟ وفيها حزب شيوعي واحزاب يسارية قوية في ذلك الحين ؟ وضمت احدى وزارات الرئيس الاسبق ميتران بعض وزراء من الحزب الشيوعي الفرنسي؟. الم تكن كومونة باريس قد انطلقت من هذا البلد ؟. وربما ستتوضح الصورة اكثر عندما يحين الوقت لنشر الفصول القادمة من رحلتي الثانية الى فرنسا حال الانتهاء منها.


نعمان
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1468
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  


العودة إلى المقالة الثقافية والفكرية

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار

cron