منتدى أيامنا • مشاهدة الموضوع - المخرج الاديب صلاح ابو سيف وحمام الملاطيلي
      مرحبا بك عزيزي في منتدى أيامنا ، ندعوك إلى التسجيل في الموقع ، التسجيل مجاني و لن يأخذ من وقتك إلا دقائق قليلة . للتسجيل اضغط هنا
   

المخرج الاديب صلاح ابو سيف وحمام الملاطيلي

جميع انواع المقالات الثقافية والفكرية

المشرف: الهيئة الادارية

المخرج الاديب صلاح ابو سيف وحمام الملاطيلي

مشاركةالثلاثاء يونيو 23, 2020 11:43 am


فيلم حمام الملاطيلي
.....
نرجع للسينما، في ذكرى رحيل صلاح أبو سيف
.....................
صلاح أبو سيف في رأي هو المخرج السينمائي المصري والعربي رقم واحد. هو نجيب محفوظ السينما المصرية.
ولأسباب كتيرة جدا أقدمه على أسماء زي يوسف شاهين وكمال الشيخ وحسن الإمام. يكفيه بس إنه كان صاحب اكتشاف نجيب محفوظ نفسه كاتبا للسيناريو، وروائيا.. ولنا أن نتخيل لو السينما والدراما لم تكتشف إبداع محفوظ.. حجم النقص ها يكون قد إيه.
....................
عندي قناعة إنه المخرج الجيد لازم يكون "مونتير" في الأساس، ودي مهنة أبو سيف الأصلية، ونفس الشيء كانت مهنة كمال الشيخ.. المونتير هو سيد الإيقاع والتوليف بين العناصر.
.....................
كمان تميز أبو سيف عن معظم المخرجين بحسه الأدبي العالي وفي معظم أفلامه كان بيشارك في كتابتها بنفسه..
......................
لو لاحظنا المخرجين الكبار ولاد جيله تقريبا زي حسن الإمام أو كمال الشيخ أو يوسف شاهين.. هانلاقي معظمهم انحبس جوه إطار معين.. لكن صلاح أبو سيف ظل بره الإطار وقادر على تنويع تجاربه ومصادره الفيلمية جدا.. عشان كدا أنا متحفظ جدا على اختزاله في مفهوم "مخرج الواقعية".
.........................
يحسب لأبو سيف ولعه بالأدب.. واللي خلاه مصر العديد من الروايات العالمية في أفلامه.. وكان من أكتر الناس اللي لجأوا لروايات إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ويوسف السباعي وإسماعيل ولي الدين وصولا لآخر أفلامه عن رواية يوسف القعيد.
.........................
كمان يحسب له إنه قدم سينما مافيش فيها الصنعة الفاترة ولا التعقيد ونخبوية المهرجانات. قدم للسينما للناس.. معمولة حلو بس كمان شعبية.. السينما الترسو والدرجة التالتة.. مش مهم بطولة فاتن حمامة أو فريد شوقي.. بس المهم موضوعها وطريقة معالجتها.
..........................
ونضيف لدا إنه رغم تحفظي على مصطلح "الواقعية"، وبشوف إنه اجتزاء لتجربته.. بس أفضل اعتبره رائد "الواقعية الجديدة" المدرسة الإيطالية اللي أحبها وحاول يستلهمها.. وهو الأب الشرعي لأهم مخرجي السبعينات والتمانييات زي محمد خان وعاطف الطيب ورضوان الكاشف.
كان يقدر كمان يعمل خمسين فيلم على الخمسين اللي عملهم.. بس هو ظل وفي جدا لوعيه السينمائي العالي وحسه الأدبي، حتى وهو بيعمل أفلام بنكهة شعبية.. يعني مثلا "الفتوة" فيلم شعبي جدا.. لكن وراه وعي "وترميز" وشغل كاميرا..مش زي شغل الأيام دي.
.......................
براعة صلاح أبو سيف الفنية وثقافته، ساعدوه دايما.. أو نسبيا في الإفلات من الرقابة أو في تمرير ما هو عصي على التمرير.. خلونا ناخد مثلا فيلمه الكوميدي "بين السما والأرض" عن المحشورين في المصعد.. أو ناخد "الزوجة التانية" اللي عمله وقت النكسة.. أكيد مش قصة إنه العمدة عاوز ياخد سعاد حسني من أبو العيلة الغلبان.. أو ناخد فيلمه "البداية" عن كتابة لينين الرملي.. بتاع الجماعة البشرية اللي انتهت بنفسها في صحراء وبتفكر في كيفية تنظيم وجودها في البقعة دي.
..............................
باختصار قلما تلاقي فيلم لصلاح أبو سيف "قليل القيمة".. أو ماقدرش يوصل للجمهور.. فأبو سيف المولود في حي بولاق الشعبي العريق.. ذو الأصول الصعيدية (بني سويف غالبا) هو فنان الشعب.. اللي بيوفر المتعة لشعبه بس مش على أنها مخدر.. على إنها رسالة وعي وتفكير في ذاتهم وهويتهم..
........................
ولكل ما سبق مسيرة أبو سيف حافلة بأكبر عدد من الأفلام اللي بقت أيقونات زي: لك يوم ظالم.. القاهرة 30.. الوحش.. الأسطى حسن.. شباب امراة.. الوسادة الخالية.. البنات والصيف.. لا أنام.. أنا حرة.. الطريق المسدود.. القادسية..بداية ونهاية.. رسالة من امرأة مجهولة..القضية 68.. شيء من العذاب..والسقا مات.
.........................
هاقف سريعا عند فيلم "حمام الملاطيلي" اللي يعتبر من أكتر الأفلام بتاعته اللي اتهاجمت بشدة.. وأتمنى شاب او شابة واعي كدا يعمل لنا كتاب عن مسيرة الفيلم.. هايبقى واحد من أجمل الكتب السينمائية على الإطلاق.
.......................
الفيلم لم يقم أبو سيف بإخراج فقط بل أنتجه كمان.. وشارك كعادته في كتابه.. وانتهى منه قبل حرب أكتوبر بشهور قليلة.
................
وبحسب مذكرات مديرة الرقابة وقتها كان في توجه بتشجيع أفلام الجنس والمخدرات.. لإلهاء الناس عن النكسة وجو الحرب.. ودا الباب اللي انتعش وفتح السينما لتجار الخردة وظهور تيار "سينما المقاولات" بتاعة سيد زيان وسعيد صالح وسميرة صدقي وهياتم.. وغيرهم من ممثلات اللحم الأبيض.. وتقريبا بقى أشهر نجمتين في الوقت دا ناهد شريف وشمس البارودي وناهد يسري.. اللي بقوا أحلام كل المراهقين الذكور (مع وجود موزز تانية زي سهير رمزي وميرفت أمين ونجلاء فتحي). وعن نفسي كانت ناهد شريف المفضلة لي في أفلام موجة اللحم الأبيض المتوسط.
.......................
الميزة الوحيد للموجة دي اتمثلت في مساحة العري، والإيروسية اللي في الأفلام.. واللي بعضها كان فنيا ممتاز، وفيه جرأة كبيرة، وبيقدمه فنانين كبار زي سعاد حسني.. بمعنى إنه مش كل الأفلام كانت "سينما مقاولات" بتتصور في شقة وشوية بوس وأحضان مع رقصة في كباريه.
.........................
كان طبيعي صلاح أبو سيف يتأثر بالموجة دي..أو يجاريها.. او يلبس قناعها.. فاختار الأيقونة وقتها شمس البارودي ذات الأصول الشامية.. لكنها باردة كالرخام في عز الشتاء.. وعمري ما بلعتها لا كامرأة مثيرة ولا ممثلة نصف موهبة. (وبشوف إنها كانت من أسوأ اختيارات أبو سيف لبطلاته على مر تاريخه)
.........................
مهم هنا نحكي إنه ابوسيف لم يلجأ لحدوتة مسلية والسلام، بل لجأ لنص روائي لإسماعيل ولي الدين.. اللي هو كان راجل من اللي بيقدموا "روايات شعبية" لطيفة وفيها لطشة كدا من روح وأدب نجيب محفوظ
.............................
ومعظم فريق العمل يمكن باستثناء يوسف شعبان ماكنوش من أصحاب التجارب السينمائية الكبيرة قوي.. زي نعمت مختار مراة صاحب الحمام، وزي صاحب الحمام نفسه فايز حلاوة، وحتى محمد العربي.
............................
وحاول أبو سيف يوظف مشاهد الجنس في الفيلم في إطار زمنه السياسي والاجتماعي.. لكن وبرغم الضوء الأخضر إنه الشعب يتدلع بأفلام قصص ومناظر وغرز حشيش وكباريهات.. الفيلم ماعجبش ناس كتير من النافذين.. ويقال إنه في لجنة شافته في مجلس الشعب..
..................
ويقال كمان إنه كل أسبوع كان بيتم النظر فيه من جديد وحذف كم لقطة منه..( عشان كدا صعب نقيم فيلم اتنهش لحمه بين مختلف الرقباء، ومعرفش إذا كان حد يملك النسخة الأصلية والكاملة منه)
..........................
وللأسف معظم نقاد السينما الكبار زي سمير فريد وآخرين.. هاجموا الفيلم بضراوة.. أظن كان منبعها سياسي وعاطفي أكتر منه فني.. مش معقول الشعب بيضغط ع السادات عشان يحارب ويرد كرامتنا.. وصلاح أبو سيف عامل فيلم مليطة في مليطة اسمه حمام الملاطيلي.. وكان دا ممكن قبوله من أي مخرج.. بس مش من صلاح أبو سيف.. (بالمناسبة يوسف شاهين عمل وقتها تقريبا فيلم العصفور ورغم كل جديته هو كمان اتحظر ولم يعرض إلا بعد انتهاء الحرب مع إنه الفيلم معمول عشان يطالب بالحرب)
........................
حظ صلاح كان أسوأ من يوسف لأنه فيلمه ظلت البيروقراطية المصرية تأجل عرضه. سنة ورا سنة.. بغض النظر عن خسايره كمنتج.. وتقص منه لقطة من هنا.. ولقطة من هناك.. لحد ما اتعرض على ما أظن سنة اغتيال السادات.
........................
لا أظن أنه لقطات الحمام اللي استهوت النقاد وعملوا على كلمة "الحمام" مانشيتات لاذعة.. هي سبب منعه..فماكنش القصة في الجنس.. أظن القصة أكتر كانت في القلق من "العلاقة المثلية".. لأول مرة فيلم مصري يعرض علاقة مثلية مباشرة كدا ومن غير تلميحات بعيدة زي ما كان بيحصل قبل كدا.. فالأزمة كانت في جسد يوسف شعبان مش جسد شمس البارودي ونعمت مختار.. بالنسبة لشعب بيحب يبالغ طول الوقت إنه "استريت" في ولعه الجنسي.. ومتدين بطبعه
..........................
كمان حدة المقول السياسي اللي وراه.. لأنه تقريبا خلا "الحمام" هو مصر نفسها اللي بنكابر ومش عاوزين نشوفها.. الشاب اللي أهله مهجرين من ضحايا الحرب ومعلقين عليه كل الآمال والبلد هاتصنع نصرها من خلاله.. مقضيها مليطة في حمام جنسي.. ورجالة مش عاتق.. ستات مش عاتق..
................
اللي يشوف استهلال الفيلم هايستوعب جدا إنه أبو سيف آخر همه البورنو.. لما بنشوف لقطات القاهرة المهزومة.. الزحام والضباب.. وقطع على أيادي كتيرة.. بسرعة.. اللي بيرتشي.. واللي بيتسول.. مع إيد تمثال سعد زغلول على ما أظن.. حركات الأيادي المتتابعة دي.. بتلخص جدا الفيلم عاوز يقول إيه.. وبتوجه إدانة قاطعة للعصر الساداتي..اللي حول الإيد المصرية من إيد عالية لإيد سفلى.. ومن إيد ثورية لإيد مرتشية ومتسولة.
..........................
الفيلم بالمناسبة رغم عرضه المتأخر جدا ظل من أيقونات السينما الشعبية في مصر.. سينما الدرجة التالتة.. وأتيح لي أشوفه وأنا في الجامعة مطلع التسعينيات بس ماعنديش إحصاء عن عدد المراهقين اللي شافوه من جيلي السبعينيات والتمانينيات.. ولحد النهاردة على اليوتيوب مازال رائج تحت لافتة النسخة الكاملة.
......................
وأظن في أواخر التمانينات باع أبو سيف الفيلم.. ووقتها كانت شمس البارودي اعتزلت.. وطلبت المنتجين بعدم عرض أفلامها.. وكنا بنسمع إنه في شخصيات خليجية بتساعدها تشتريها وتحرقها.. وخزعبلات كتيرة.. ووقتها بدأت تصرح إنه صلاح أبو سيف نادم على الفيلم.. وتبدي انزعاجها من عرض الفيلم دا تحديدا وتقول "حسبي الله ونعم الوكيل".
......................
فتقريبا السيرة الموازية لصناعة وعرض الفيلم فضلت عايشه داخل هامش ومتن الثقافة المصرية لأكتر من تلاتين سنة.. وهي سيرة جديرة جدا بالتأمل ومغرية بالكتابة عنها.
Sherif Saleh
صورة
صورة
صورة العضو الشخصية
doaa khairalla
عنوان العطاء المتميز
عنوان العطاء المتميز
 
مشاركات: 4833
اشترك في:
الثلاثاء أكتوبر 22, 2013 9:04 pm
  

Re: المخرج الاديب صلاح ابو سيف وحمام الملاطيلي

مشاركةالثلاثاء يونيو 23, 2020 11:49 am


https://alarab-co-uk.cdn.ampproject.org/c/s/alarab.co.uk/?ampحمام الملاطيلي.. فيلم لـ"الكبار فقط" ذوقا وعمقا وفرجةحكيم مرزوقيالسبت، 14 ديسمبر، 2019أهم الانتصارات السينمائية التي أنجزتها هزيمة 67
"حمّام الملاطيلي"، وقبل أن يكون فيلما يثير حوله الغبار أينما عُرض، هو رواية كتبها إسماعيل ولي الدين في أواخر ستينات القرن الماضي.قدم ولي الدين فيها رؤية اعتبرها نقاد آنذاك، قاتمة، موحشة ومغمسة بالعار، لكن بعضهم رأى فيها قراءة جريئة وتحليلا صائبا لواقع المجتمع المصري بعد نكسة 1967. ذلك أن الهزيمة العسكرية والسياسية، لا بد أن تسبقها وترافقها، وكذلك تنجرّ عنها، هزائم وتشوهات اجتماعية صلب الثقافة والعلاقات السائدة.من هذا المنطلق، كان لا بد للإنتاج الأدبي والسينمائي أن يخلع عنه عباءة الشعارات والتمجيد الزائف للذات المصرية المنكسرة على نفسها بعد مرارة الهزيمة التي أرخت بظلالها على كل شيء.تناول الروائي إسماعيل ولي الدين (مواليد 1935) الأحداث والتحولات ومصائر الشخصيات من خلال الحمّام الشعبي أي المكان الذي يتعرّى ويتساوى فيه الجميع طلبا للتطهر والبوح، بعيدا عن المواربة والأقنعة النهارية والمفاضلات الاجتماعية.رؤية من صميم الواقعالناقد الفني حسن عبدالرسول كتب عن الفيلم في  مقال منشور بالأخبار في 6 يوليو 1973، "لا يرينا صلاح أبوسيف عري الأجساد بل يرينا عري الأرواح"الجديد في هذه الرواية التي قد تبدو في زخم أحداثها ونمطية بعض شخصياتها قادمة من الأربعينات، أن صاحبها تسلح برؤية جمالية خاصة لأحياء القاهرة، مكنته منها دراسته للهندسة المعمارية، بالإضافة إلى حساسية اطلاعه بالمسألتين السياسية والعسكرية.كان ولي الدين برتبة عقيد في القوات المسلحة المصرية قبل أن يتفرغ للكتابة ويصبح واحدا من أهم كتاب السبعينات ممن تم التعامل مع رواياتهم سينمائيا. إذ كاد أن ينافس إحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ، الكاتبين الأكثر شهرة ومجدا، آنذاك.وقعت هذه الرواية، التي أدارت ظهرها للجمل السياسية المنتفخة، والتفتت إلى تفاصيل الواقع المثقل بالتمزق الاجتماعي والنفسي، بين يدي المخرج صلاح أبوسيف، (1915ـ1996)، وقد كتب لها التقديم الروائي يحيى حقي، بانبهار شديد.واستعان يحيى حقي بمحسن زايد، وهو أحد تلاميذه، لكتابة السيناريو وقد وجد فيها رائد الواقعية ضالته من أجواء شعبية وتحولات اجتماعية ضاربة في صميم الواقع المصري، وذلك بعد أفلام حاول من خلالها استرجاع توازنه بعد النكسة مثل “القضية 68” و”الزوجة الثانية” و”فجر الإسلام”.المشهد العام في مصر كان يغري ويشجع على إنتاج فيلم يذكّر الناس بكل شيء ما عدا تلك النكسة الثقيلة، سواء كان من ناحية التطرق إلى قضايا تمس صميم المجتمع وتضع عليه الإصبع كمسبب حقيقي وغير مباشر لانهيار الجبهتين العسكرية والسياسية أو تصرف الرأي العام عبر حالة تنفيس تتمثل في رفع الحظر عن ممنوعات كانت سائدة في المصنفات السينمائية.في هذا الصدد، تقول اعتدال ممتاز، في كتابها “مذكرات رقيبة سينما”، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، إنه صدرت تعليمات رئاسية للرقابة على المصنفات الفنية للسماح بمشاهد الجنس والمخدرات في الأفلام، وعدم حذف أي مشهد منها مهما بلغت درجة جرأته، في محاولة لإلهاء الناس عن الهزيمة وإحباطاتها.غصّة في قالب قصةأهم الانتصارات السينمائية التي أنجزتها هزيمة 67لا وجود لشرخ واسع أو غربة صادمة بين قارئ حمام الملاطيلي كرواية أو المتفرج عليها كفيلم، فحالات الشد والتشويق والإثارة، تكاد تكون نفسها، وعلى ذات السوية ما بين صفحات الكتاب وشاشات السينما، فكأنما الممثل محمد العربي، الذي اختاره صلاح أبوسيف لفيلمه، هو أحمد الذي جعله إسماعيل ولي الدين بطلا لروايته.أما الفتاة نعيمة التي تمتهن الدعارة، ويتعرف إليها أحمد وتربطه بها علاقة تجمع بين الحب والمتعة، عند قدومه من قريته باحثا عن عمل وراغبا في إتمام الدراسة، فتكاد تكون النجمة شمس البارودي، في مخيلة القارئ قبل مشاهدة الشريط، وذلك بكل ما أوتيت من جمال ورقة وإثارة، خصوصا في تلك المشاهد التي تبدو ساخنة، لكنها مليئة بالشاعرية والرمزية في لقطات لا تجنح نحو الفجاجة بقدر ما تذكيها مهنية عالية في التصوير والتمثيل واختيار المفردات التعبيرية لمخرج معتق ومتمكن من أدواته.القاسم المشترك بين الشخصيتين المحوريتين في الحكاية، هو القدوم إلى القاهرة سعيا خلف حلم يتحول في النهاية إلى كابوس أو ينتهي بفاجعة من خلال تشابك علاقات يطغى عليها الجشع والتكالب نحو الحلول الفردية في ظل مناخ موبوء ألقت عليه الهزيمة بسحابتها القاتمة، فاضمحل حلم الجماعة الذي كانت تعزف عليه الحقبة الناصرية، واستحال إلى مصائر مفجعة.الطيبون تحولوا إلى مخدوعين كالمعلّم بدوي، صاحب الحمام الذي تخونه امرأته مع الشاب أحمد بعد أن وظفه لديه وأحسن معاملته. تتشعب القصة لتقدم جل شخصياتها في عداد الجاني والضحية في الوقت ذاته، إذ لا يخلو عالم الدعارة نفسه من هذه اللعنة التي تلحق بالجميع، ضمن لعبة تدرجية استدراجية تتناسل فيها الأسئلة من قلب الأسئلة. وتطرح قضية صراع القيم داخل نسيج اجتماعي مشوه، فكل ضحية تستحيل إلى جلاد.وكل آثم هو ضحية لمنظومة أخلاقية مهترئة، تتبادل الاتهامات في ما بينها، وتدعو للمحاكمة ولكن أين الحكم؟ حتى نكسة 67 تطل بطيفها في الحكاية كطرف في هذا النزاع الدرامي.. أليست شخصية أحمد ضحية تلك الهزيمة التي أجبرت العائلة على النزوح من الإسماعيلية إلى الشرقية؟لعل شخصية الفنان التشكيلي ذي الميول المثلية، رؤوف، والتي يلعبها في الفيلم باقتدار الممثل يوسف شعبان، هي من أكثر الخطوط الدرامية حساسية والتباسا، وذلك لما تتميز به من جرأة في قلب طاولة الحوار نحو موضوع لا يزال يصنف ضمن أكثر المحظورات التي تلامسها السينما العربية بحذر شديد، وفي نوع من المهادنة واسترضاء الأغلبية.قد تكون المبررات التي صيغت في تقديم الشخصية كضحية من ضحايا التفكك الأسري، غير مقنعة في ظل واقع يحترم الآن حقوق المختلفين، لكن النموذج يعطي صورة صريحة لفئة من المثقفين، تعاني العجز والتهميش وتفصح عن خيبات متشابكة، لا خيبة واحدة، وأحادية الجانب.الابتعاد أو الهجرة هو هاجس كل شخصية من الشخصيات القلقة في حمام الملاطيلي. لكن، إلى أين الهجرة؟ ومن ماذا يمكن الابتعاد؟تبدو المواجهة ضربا من ضروب العبثية والانتحار، يُخيّل للمتلقي أن الدروب وعرة والمنافذ مغلقة، وأن المتع القصيرة خير بلسم ودواء بعد انسداد الآفاق، وكأن هذا التعري لا يزيدنا إلا تعريا، وهذا الاغتسال لا يضفي علينا إلا اتساخا تسببت فيه سياسات الأكاذيب، وتحميل عجزنا لكل الآخرين.الحقيقة أن لهذا الشريط مزايا أكبر وأكثر مما صنفها النقاد المتسرعون، ذلك أنه أحسن استخدام مشرطه. وخاطب القوم وهم يتسلون ويستمتعون، على عكس كل “اللطميات” السينمائية والأدبية، بدليل أن الفيلم ينتصر للعودة بعد اجتراع الهزيمة والاستفادة منها.ويبدو ذلك جليا حين يكتشف أحمد مصرع حبيبته نعيمة على يد عمها وابن عمها، “غسلا للعار”. يدرك المستنقع الذي وقع فيه، وأنه كان سببا، دون أن يدرك، في مقتل نعيمة الطامحة في التطهر، فيقرر العودة لبلدته الإسماعيلية، استعدادا ليوم استرداد الكرامة، واستعادة الأرض المغتصبة.حدث كل ذلك والفيلم كان يصور عشية حرب أكتوبر 1973 التي حقق فيها الرئيس المصري آنذاك أنور السادات بعض الانتصار، وهو الذي قيل إنه أول من شاهد فيلم حمام الملاطيلي وأُعجب بصناعته رغم تحامل الكثير من النقاد عليه.التحدي شكلا ومضموناالمغامرة لدى صلاح أبوسيف لا تتوقف عند الكاستينغ، ولا حتى اختيار الرواية  بل في التوقيت عند زمن راجت فيه أفكار سينمائية تدعو إلى تناول الموضوعات البسيطة وغير المعمقة وتنأى عن القضايا الحساسةالتحدي يكمن في أن المخضرم السينمائي ورائد الواقعية صلاح أبوسيف فهم اللعبة وأدرك جوهر الرهان ضمن مقاربة سينمائية لسياسة لم تكن واقعية قبل يونيو 67. أدرك صاحب “المنتقم” و”لا تطفئ الشمس” أنّ التحدي لا يكمن إلا في المزيد من التحدي، شكلا ومضمونا وتوقيتا، وطريقة إخراج وتفكير. فبدأ تصوير الفيلم حين كان الشارع يضطرب بمظاهرات تطالب بإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم، وسط أجواء معفرة بالإحباط، فأظهر ممثلين لم يؤدوا أدوارا كبرى من قبل، مثل فايز حلاوة، الذي كان أول اكتشاف له في السينما، والذي قام بدور صاحب الحمام الذي تخونه زوجته.أما البطولة فكانت من نصيب محمد العربي، الذي أسند إليه صلاح أبوسيف دور البطولة لملاءمة سنه للدور، فقد كان المطلوب شابا صغيرا، خريج ثانوية عامة، ليلعب دور الشاب الذي يأتي القاهرة بحثا عن عمل، ومعه خطاب توصية لشخص لا يلتقيه أبدا.المغامرة لدى صلاح أوسيف لا تتوقف عند “الكاستينغ”، ولا حتى اختيار الرواية بل في التوقيت عند زمن راجت فيه أفكار سينمائية تدعو إلى تناول الموضوعات البسيطة، غير المعمقة، والتي تنأى في معالجتها عن اللقضايا الحساسة، ولا تذكر الناس بما جرى في يونيو، إلا باستثناءات قليلة، مثل فيلم “الأرض” الذي تم عرضه في يناير 1970.راهن قيدوم السينما المصرية، وسفيرها إلى العالمية بحكاية تبدو مغرية لمراهقي السبعينات، مغضبة لثوريي الستينات، لكنها شديدة الطلائعية والتأصل لدى مثقفي الثمانينات من الليبراليين والمبشرين بثقافة بنيوية تأسست على أيادي نقاد تفكيكيين، وكتاب ما بعد الحداثة والشعارات الأيديولوجية.يجدر القول إن هذا الفيلم قد أسقط كل من في يده حجر يحاول به الانقضاض على ثقافة تجنح نحو التفكير المختلف، وترنو نحو سينما تشبه مجتمعها، لا قادته، ولا الحاكمين بأمرهم من المجدفين عكس التيار.. إنه فضيحة في وجه من عارضه وليس من سانده.. ماذا يمكن القول الآن لأشرس معارضيه، الناقد علاء عبدالحميد بقوله “شعرت بأنه كان فضيحة لمن أنتجوه، خاصة في نسخته التي تبقت لنا بعد الحذف والقص، حيث تم تشويهه بالكامل”؟كيف يمكن الرد على ناقد مقتدر مثل رؤوف توفيق، يكتب مقالا عن الفيلم في مجلة “صباح الخير” يحمل عنوان “صلاح أبوسيف.. في الحمام”؟ وبماذا يمكن أن نجابه، نحن عشاق السينما ومريديها في التسعينات، تسمية أستاذنا الناقد الراحل سمير فريد، في صحيفة  “الجمهورية” للفيلم بأنه “سينما فاضحة”، ودعوة حسن إمام بقوله  “صادروا هذا الفيلم”؟عزاء عشاق حمام الملاطيلي والمدافعين عنه، وسط زحام المزايدات الثورجية، وأدعياء الفضيلة السياسية والأخلاقية أنّه لا تمتلك إلا أن تشاهده، مثل إصبع شوكولاتة، وأنت جائع، مثل عصير منعش، وأنت عطشان.. كيف تقاوم شريطا يخاطبك بكل حواسك.. عفوا.. لم نقل “غرائزك”.الذين دافعوا عن الفيلم قلة، لكنها مؤثرة وفاعلة، ولطالما انتصرت  “المنشيفيات” ضد “البوليفيات”، فمن هؤلاء الناقد الفني حسن عبدالرسول، الذي كتب “لا يرينا صلاح أبوسيف عرى الأجساد بل يرينا عرى الأرواح”، وذلك في مقاله المنشور بالأخبار 6 يوليو 1973.وكتب عادل عبدالجبار مقالا عن الفيلم في جريدة كانت تسمى “الثورة العراقية” قال فيه “حمام الملاطيلي على طريق المواجهة الواقعة بصراحة”.وفي جريدة الشعب اللبنانية انحاز الناقد سمير نصري للفيلم في مقال عنونه “اصحى يا مصر.. صرخة حمام الملاطيلي، قبل الحرب”.فيلم عصي على النسيانالأعمال الكبيرة، يقدر لها، في أحيان كثيرة، أن توضع طي النسيان والتجاهل بسبب تحامل العامة، وتآمر بعض الخاصة والكارهين على غير حق، وكاد فيلم حمام الملاطيلي أن ينسى من تاريخ السينما بسبب نزاعات ونزعات شخصية تخص جهات الكتابة والتمثيل والإخراج والتسويق، فلا يستشعر جسامة المسؤولية إلا النزيهين من النقاد والموثقين.وظل الآن هذا الشريط الممتع، في ذاكرة مراهقي السبعينات الذين أضحوا اليوم رجالا خمسينيين، يفكرون بواقعية لم توجد في السبعينات.وهنا، تجدر الإشارة والتنويه إلى أن المنتج محمد راضي اشترى الفيلم من منتجه ومخرجه صلاح أبوسيف عام 1992 ودفع به للعرض من جديد ضمن أحد المهرجانات السينمائية، مذكرا العالم بأن حمام الملاطيلي لا يموت، وذلك بسبب فكرة لا يمكن لها أن تموت، وهي أن ما كُتب بصدق، ومُثل بصدق، وشُوهد بصدق، لا يمكن له الاندثار.. لقد نسيت الأجيال طعم الهزيمة، لكنها لم تنس طعم فيلم أشعل الشاشات، ألهب الأجيال، نظف خطايانا، وأسال الفقاعات.. واسمه حمام الملاطيلي.كل نقاد الفن السابع اليوم لا يبالون بالخلافات الجانبية التي وقعت بين صناع الفيلم، من جهات إنتاج وكتابة وتمثيل وإخراج.. لا تعنيهم المواقف المرتجلة بين هذا وذاك، وقد صار الكثير من أسرة العمل في عداد الأموات.. إنها السينما التي لا تموت بموت أصحابها.
صورة
صورة العضو الشخصية
doaa khairalla
عنوان العطاء المتميز
عنوان العطاء المتميز
 
مشاركات: 4833
اشترك في:
الثلاثاء أكتوبر 22, 2013 9:04 pm
  

Re: المخرج الاديب صلاح ابو سيف وحمام الملاطيلي

مشاركةالثلاثاء يونيو 23, 2020 11:52 am


صورة
صورة
صورة العضو الشخصية
doaa khairalla
عنوان العطاء المتميز
عنوان العطاء المتميز
 
مشاركات: 4833
اشترك في:
الثلاثاء أكتوبر 22, 2013 9:04 pm
  

Re: المخرج الاديب صلاح ابو سيف وحمام الملاطيلي

مشاركةالثلاثاء يونيو 23, 2020 11:54 am


صورةصورةصورة
صورة
صورة العضو الشخصية
doaa khairalla
عنوان العطاء المتميز
عنوان العطاء المتميز
 
مشاركات: 4833
اشترك في:
الثلاثاء أكتوبر 22, 2013 9:04 pm
  

Re: المخرج الاديب صلاح ابو سيف وحمام الملاطيلي

مشاركةالثلاثاء يونيو 23, 2020 11:56 am


صورةصورة
صورة
صورة العضو الشخصية
doaa khairalla
عنوان العطاء المتميز
عنوان العطاء المتميز
 
مشاركات: 4833
اشترك في:
الثلاثاء أكتوبر 22, 2013 9:04 pm
  


العودة إلى المقالة الثقافية والفكرية

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار