منتدى أيامنا • مشاهدة الموضوع - للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه
      مرحبا بك عزيزي في منتدى أيامنا ، ندعوك إلى التسجيل في الموقع ، التسجيل مجاني و لن يأخذ من وقتك إلا دقائق قليلة . للتسجيل اضغط هنا
*    

للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه

القصص القصيرة والطويلة والروايات النادرة او تلك التي هي من نتاجات الاعضاء

المشرف: الهيئة الادارية

للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه

مشاركةالأحد مايو 26, 2013 5:21 pm


للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه

قصة بحلقات


بقلم
وسام الشالجي

(في حياة كل شخص بهذه الدنيا قصص كثيرة تنتظر دورها لكي تروى)

(1)


اكمل لؤي دراسته العليا في بريطانيا واصبح الان في مفترق طرق لا يعرف بالضبط في اي اتجاه سيسير . الطريق الاول الموجود امامه هو الفرصة التي حصلها له استاذه بان يعمل في أحدى الجامعات الكندية . والطريق الثاني الممكن ايضا هو البقاء في بريطانيا والعمل في نفس الجامعة التي درس فيها وحصل منها على شهادته العليا ريثما تتوفر له فرصة افضل . والطريق الثالث هو العودة الى وطنه العراق والعمل لمدة معينة بأمل ان يحصل على فرصة لان يصبح باحثا كما يحب ان يكون . وكانت دراسته العالية قد ارهقته كثيرا لانه كان من بين قلة من الطلاب ممن يدرسون على نفقتهم الخاصة , بينما كان معظم الطلبة العراقيين الاخرين مبعوثين من الدولة ويتمتعون برواتب جيدة . وكان بلده الام في حالة حرب مع دولة مجاورة والمعارك على اشدها والوضع هناك معقد وشديد الارتباك . ومن بين الضغوط التي كان لؤي يتعرض لها هو اصرار زوجته على العودة للوطن لانها كانت لا تريد الابتعاد عن اهلها بعد كل هذه الغيبة مما وضع لؤي في موقف صعب للغاية . لم يكن لؤي لا يريد العودة الى بلده , لكنه كان متخوفا من الوضع ويخشى ان يضيع الفرص الموجودة امامه الان دون ان يحصل على بديل مناسب . كما انه كان يتخوف من ان يتم تجنيده وارساله الى جبهات القتال في حرب عبثية وبالتالي تنتهي كل احلامه بالمستقبل الذي خطط له . اتصل لؤي بأهل زوجته سائلا نصيحتهم فشجعوه بقوة على العودة للعراق , ثم اتصل باهله فوبخوه بشدة على ما يفكر به وبالذات حين عرفوا بالفرص المتاحة له وطلبوا منه استغلالها دون تردد وعدم العودة خصوصا وان الاوضاع الحربية متأزمة جدا . واستشار لؤي ايضا عدد من اصدقائه في جامعته والذين اغلبهم طلبة بعثات دراسية فشجعوه جميعا دون اسثناء على العودة الى الوطن . لم يخطر ببال لؤي بأن النصيحة لكي تقبل من شخص ما يجب معرفة مصلحة من يقدمها اولا ودرجة اخلاصه لذلك الشخص ثانيا . وقبل ان يقرر اي شيء فكر لؤي بان يتصل بصديق عمره (كامل) في العراق ليستفسر منه عن بعض الامور . كان كامل صديقا مقربا للؤي لانه رافقه لسنوات عديدة في دراسته الثانوية والجامعية وعملا معا بعد تخرجهما كمدرسين في المعهد الهندسي العالي وهو يثق به كثيرا .

اتصل لؤي بكامل وسأله عن الاوضاع في البلد
- كامل , ماذا تظن سيكون وضعي اذا عدت للوطن
- لؤي , انت اصبحت الان حامل شهادة عليا وحسب القوانين النافذة فان من يحملون الشهادات العليا معفيين من الخدمة العسكرية
- لكن ماذا بشأن ميليشيات الجيش الشعبي التي يجري تشكيلها من المواطنين العاديين
- نعم هناك احتمال وارد في ان يتم تجنيدك بها , لكن اذا عدت للتدريس فستعفى من هذا الاحتمال لاني انا نفسي اعمل بالتدريس ولم يجري تجنيدي بهذه الميليشيات
- اي ان الخلاص من هذا الاحتمال محصور في عودتي للتدريس
- على اكثر احتمال
- وماهي الاوضاع بالبلد
- عادية والوضع ليس شديدا بالنسبة للناس العاديين
- ان زوجتي مصرة علي بان اعود للعراق وتقول بان فرصة العمل بالخارج غير مهزومة وهناك احتمال بان احصل على فرصة لما بعد الشهادة العليا مستقبلا بعد اصبحت حاملا لشهادة عليا
- لم اسمع باي بعثات او زمالات للخارج منذ مدة طويلة
- اذن ماذا رأيك هل اعود ام لا , ولعلمك بان فرص بقائي بالخارج كثيرة ولدي عدة عروض من دول مختلفة 
- الامر يعود اليك يا لؤي , وانت حر بخيارك
- هل تشجعني على العودة
- لا استطيع ان اشجعك على العودة ولا استطيع ان ادفعك الى عدمها

ظل لؤي لا يدري ماذا يفعل بين حائرا بين ضغوط زوجته عليه لاجل العودة والفرص الكثيرة التي هي متاحة له . لم يكن هناك ما يلزمه للعودة للوطن لانه كان يدرس على نفقته الخاصة وليس لديه عقد مع الدولة او كفالة . لكن كان هناك قانون خطير شرعته الدولة ينص على ان كل من يدرس على نفقة جهة اجنبية يعتبر خارج عن القانون وتسقط عنه حقوقه المدنية ويحال الى المحاكم اذا ما عاد للبلد . كان هذا القانون من ابشع ما اصدرته الدولة العراقية التي كانت تضيق الخناق على مواطنيها لكي تبقى مصائرهم بيدها فقط . ويتذكر لؤي كيف انه تعرض قبل حوالي عام الى خطر شموله بهذا القانون حين توسط له استاذه بعد ان رأي كفائته العالية بالدراسة وضيق حاله فحصل له على منحة دراسية من الحكومة البريطانية لتغطية تكاليف السنة الثانية من دراسته . ويتذكر ايضا لؤي كيف تم نشر هذا الخبر في الجرائد البريطانية تحت عنوان (طالب عراقي يحصل على منحة دراسية من الحكومة البريطانية) , وكيف قامت الدنيا عليه ولم تقعد . فقد قامت السفارة العراقية التي كانت بؤرة تجسس على العراقيين اكثر مما هي دائرة موجودة لمنفعتهم باغلاق ملفه الدراسي بعد ان تقاطرت اليها التقارير التي يرفعها زملائه الطلاب المبعوثين لتخبرها بان طالب النفقة الخاصة لؤي حصل على منحة من الحكومة البريطانية . كان غلق ملف لؤي الدراسي من اصعب الاشياء التي مرت به , فقد رفضت السفارة تمديد جوازه بعد انتها صلاحيته , وبناء على عدم صلاحية الجواز فقد رفضت الخارجية البريطانية تمديد اقامته حتى اصبح في وضع لا يحسد عليه . وقد دفعت هذه الاوضاع التي احاطت بلؤي الى اتخاذه قرار برفض المنحة الدراسية التي منحت له . قام لؤي بابلاغ استاذه بانه يعتذر عن قبول المنحة ويفضل الاستمرار بالدراسة على نفقته الخاصة لمجرد ان يبقى موقفه سليما امام الدولة لكي لا يفقد ميزاته كطالب رسمي ويمدد جوازه واقامته ولا يفقد التحويلات المالية التي يرسلها اهله اليه . ويتذكر لؤي كيف انه قدم الى السفارة بعد ذلك كتاب من جامعته يثبت لهم بانه رفض المنحة الدراسية التي منحت له , وكيف ان السفارة اعادت فتح ملفه الدراسي مما اتاح له تجديد جوازه واقامته واستئناف التحويلات المالية التي ترده . كانت مواقف الطلبة العراقيين تلك تجاه لؤي من ابشع ما صادفه لؤي في حياته , وراى بام عينه ما هو نفاق الاصدقاء وحقدهم وحسدهم . فمع ان هؤلاء الطلبة كانوا معظمهم مبعوثين من الدولة ويتمتعون برواتب ممتازة الا انهم جميعا كانوا جواسيس على بعضهم البعض ويبلغون السفارة العراقية بكل شيء يحصل , بل انهم يبلغونها حتى بالطعام الذي ياكله كل طالب خلال يومه . ظل هذا الوضع ماثلا امام عين لؤي باستمرار , وظل يفكر بانه اذا ما قرر بان يستفيد من اي فرصة قادمة في بلد اجنبي فمعنى ذلك ان عليه بان ينسى الوطن نهائيا ولايفكر بالعودة اليه مرة اخرى لان الحكومة ستعتبره فارا من البلد في اوقات الحرب مما سيجعله مطلوبا للدولة . ويتذكر لؤي ايضا كيف ان رئيس الدولة ذكر في احد المرات خلال احاديثه التي تذيعها الاذاعة والتلفزيون عبارة (وين يروح المطلوب النا) . كل هذه الاشياء مرت بذهن لؤي في خاطرة طويلة بعد ان انهى مكالمته مع صديقه لؤي . كان لؤي لا يريد ان يقطع روابطه بالوطن ولا يريد ان يكون خارجا عن القانون بنظرها ابدا , لذلك وبعد مراجعة جميع الظروف التي هو بها خصوصا اصرار زوجته على العودة قرر ان يترك كل الفرص التي اتيحت اليه ويعود للعراق .

وبعد ان اتخذ قراره هذا ذهب في اليوم التالي الى استاذه ليخبره بما قرره
- دكتور , انا شديد الاسف بان ابلغك باني ساترك كل الفرص التي وفرتها لي واعود للوطن
- ماذا ؟
- انا متأسف جدا منك
- لكن ما تقوله هو انتحار يا لؤي
- ليس بهذه الدرجة
- انا لااقصد انتحار من ناحية الحياة والموت , لكني اقصد بان كل كفائتك وذكائك وامكانياتك ستضيع الى الابد لان بلدك لن يستطيع ان يستفيد منها
- من يعلم , فقد يكون متاحا للبلد بان يستفيد منها
- هذا هراء , ولطالما سمعته من طلالب مماثلين لك , وحين عادوا الى بلدك انقطعت اخبارهم عنا ولم نسمع عنهم بعد , اتدري لماذا ؟ لانهم ضاعوا وسط التأخر والتخلف
- لكن عزيمتي قوية واصراري على النجاح لا يلين
- لا تقول لي هذا فان بلدك لن يستطيع ان يستفيد منك كما يمكننا نحن لعدم وجود امكانية لذلك . انتم لا تملكون اجهزة بحثية متطورة ولا عندكم تخصيصات مالية لهذا الغراض والاكبر من ذلك فان بلدك يحارب الكفاءات ولدي امثلة كثيرة مساعد ان ارويها لك . انا مستعد ان اوفر لك كل شيء تريده , لكن حرام ان تدفن هذه الكفاءة . انا اتوقع لك مستقبل باهر هنا وستصبح عالما فذا
- لكن الحياة لن تنتهي عند هذا الحد , وقد اعود في مدة ليست ببعيدة واستأنف ما تنتظره مني
- هذا حلم , فمن يذهب الى تلك الهبية لا يعود ابدا
- لقد اتخذت قراري وانتهى
- وقراراك خطأ
- هذا قدري
- بل هذا قدر الاغبياء
- ارجوك لاتصفني بغبي
- بل غبي واكثر من غبي , لم اكن اتوقع منك بان تضيع كل هذه الفرص التي توفرت لك ولم تتوفر لغيرك . بالعام الماضي رفضت منحة من الحكومة البريطانية وقلت لي بانك لا تريد ان تفقد موقعك كطالب رسمي وتفهمت حالتك . واليوم تقول لي بانك ترفض فرصة ذهبية من الحكومة الكندية التي ساوتك بمواطنيها ومنحتك هذه الفرصة بناء على توصية خاصة مني , فكيف لا اقول عنك غبي
- اعلم كل ما تقوله واقدره عاليا
- لكنك تحرجني للمرة الثانية
- اسف مرة اخرى , وسابقى اتأمل بالمستقبل
- اذهب الى وطنك يا لؤي , لكني اعدك بانك لن تعود مرة اخرى
- وداعا يا استاذي العزيز
- وداعا يا لؤي , لن انسى ابدا بانك واحد من انبغ الطلاب الذين التقيت بهم ودرستهم , وكم كنت اتمنى ان لا افقدك , لكن ها أنذا للاسف افقدك . وكلمة اخيرة اقولها لك يا لؤي , اذهب يا بني وسترى بعينك تبعة قرارك الخاطيء هذا
عانق لؤي استاذه مودعا وعاد الى داره واخذ يعد العدة لمغادرة بريطانيا والعودة للعراق .

وبعد مدة ليست بطويلة عاد لؤي الى الوطن وهو يحمل في مخيلته صورة تختلف عن الصورة التي توقعها له استاذه , فقد كانت الصورة التي في باله عريضة باسمة للمستقبل الذي ينوي ان يصنعه متأملا بان يختصر المسافات والزمن للوصول الى الغايات والاهداف التي تمناها في حياته . لقد كان لؤي طموحا الى ابعد حد , فمنذ ان كان طالبا في الكلية اثناء دراسته الجامعية الاولية كانت الرغبة في ان يصبح شخصا لامعا تراوده بقوة وثبات . وكان في وقتها قد تأثر كثيرا بشخصيات اساتذة كبار تعاقبوا على تدريسه , وقرر في قرارة نفسه ان يصبح هو الاخر انسانا ناجحا يشار له بالبنان ويذكر اسمه في المحافل والمجتمعات . والان وبعد ان خطا خطوة كبيرة بنيله شهادة عليا بات الطريق مفتوحا امامه لتجسيد تلك الاحلام وجعلها حقيقة موجودة .

كان لؤي قبل سفره يعمل مدرسا في المعهد الهندسي العالي , والان وبعد ان انهى دراسته العليا على نفقته الخاصة اصبح لديه خيارات عديدة . من بين هذه الخيارات هو ان يعود للعمل بنفس مكانه السابق , او يتجه للعمل في القطاع المهني كخيار ثاني خصوصا وان تخصصه مهني بحت . وبعد ايام من عودته للعراق التقى بصديقه العتيد (كامل) والذي استقبله بحرارة مهنئا اياه بسلامة العودة مهنئه بالحصول على شهاد الماجستير .

- لؤي كم انا فرح بعودتك الينا
قال كامل هذا لصديقه لؤي بعد ان التقيا لاول مرة بعد اكثر من ثلاث سنوات من الافتراق بسبب سفر لؤي الى الخارج للدراسة
- وانا ايضا فرح جدا يا كامل بلقائك ولقاء الاهل والاصدقاء
- وماذا قررت بشأن العمل ؟
- حقيقة لا اعرف لحد الان يا كامل فهناك خيارات عديدة مطروحة امامي
- ولماذا لا تعود للعمل بنفس المعهد الذي كنت تعمل فيه معي
- هذا احد الخيارات المطروحة امامي لكني لم اقرر بشأنه بعد . فكما تعرف انا كنت اعمل سابقا في ذلك المكان واجوائه لم تعجبني في حينها وحصلت لي فيه مشاكل عديد خصوصا مع العميد
- لكن الوضع الان تغير , فلدينا الان عميد جديد وادارة جديدة كما ان وضعك انت قد تغير فقد اصبحت الان تحمل شهادة عليا وهذا بحد ذاته يعتبر ميزة كبيرة في هذا المعهد
- سافكر بهذا الامر واقرر خلال الايام القليلة القادمة
- كما ان عودتك للتدريس سيبعد عنك خطر ميليشيات الجيش الشعبي
- اين هم مني فلا احد يعرف باني عدت
- سيعرفون ان اجلا او عاجلا
- ارجوا ان لا يحصل هذا , لكني سافكر بشأن العود للعمل بالمعهد
- أتمنى من قلبي ان يحصل ذلك

وفي اليوم التالي نقل كامل الى المعهد خبر عودة لؤي من الخارج وحصوله على شهادة عليا وانه يفكر بعودته الى عمله السابق . وصل هذا الخبر الى عميد المعهد فارسل على الفور مستدعيا كامل لمعرفة مدى صحة ما سمعه
- هل صحيح يا كامل ان لؤي عاد من الخارج بعد ان حصل على شهادة عليا
- نعم دكتور
- وهل ينوي العودة الينا
- لم يقرر بعد لكنه يفكر بذلك
- اريدك ان تشجعه على ذلك يا كامل , فانا اعرف لؤي وهو شاب ممتاز وكفوء ونحن محتاجين جدا الى كوادر مثقفة مثله
- ساحاول ان افعل كل ما في وسعي على تشجيعه للعودة الى العمل هنا
- قل له بانه بعد عودته بفترة بسيطة سنرقيه الى منصب رفيع يليق به وبشهادته
- هذا عظيم دكتور , فقد يشجعه هذا الى العودة الينا فعلا

وفي نفس اليوم التقي كامل بلؤي مرة اخرى ونقل له اخبار مقابلته بعميد المعهد , ثم قال له
- ما رأيك ان تزورنا غدا في المعهد يا لؤي
- لماذا
- لا شيء سوى ان اصدقائنا هناك يتوقون لرؤيتك وتهنئتك بالعودة والحصول على الشهادة العليا
- حسنا ساقوم بهذه الزيارة كما تقترح

وفي صباح اليوم التالي ذهب لؤي الى المعهد الذي كان يعمل فيه سابقا ووجد كل شيء فيه باق كما كان حين تركه , الشيء الوحيد الذي تغير هو العميد . وتذكر لؤي عند دخوله المعهد العميد السابق وكيف كان يكرهه ويتابع كل عمله ويراقب زلاته ويتحين الفرص به مما دفعه الى الاستقالة في حينها والسفر الى الخارج للدراسة . التقى لؤي باصدقائه ومعارفه الذي تقاطروا للسلام عليه وتهنئته بالعودة والحصول على شهادة عليا . وبينما كان منشغلا بالسلام على هذا وذاك جائه فراش العميد ليخبره بان العميد يود رؤيته . تردد لؤي بشأن تلبية هذا الطلب لكن كل اصدقائه ومن بينهم كامل شجعوه على تلبية الطلب . اصطحب كامل صديقه لؤي الى غرفة العميد ودخلوا على السكرتيرة التي رحبت بهما وطلبت منهما الجلوس ريثما تخبر العميد بمجيئهما . كان لؤي يعرف العميد لكن لم تكن بينهما صداقة بالمعنى الشائع بل مجرد معرفة . وبعد قليل قالت لهما السكرتيرة بان العميد ينتظرهما . دخل لؤي بصحبة كامل الى غرفة العميد فاذا به يترك مكتبه ويتقدم اليه معانقا ومهنئا بسلامة الوصول والحصول على الشهادة العليا , ثم طلب منهما الجلوس وامر الفراش بتضييفهما على افضل ما يمكن
- لقد فرحت جدا يا لؤي حين علمت بعودتك للوطن وحصولك على شهادة عليا
- اشكرك دكتور
- وبهذه المناسبة ارجوا من قلبي بان تقبل دعوتي لك بان تعود للعمل معنا
- لكن
- نحن نعرفك جيدا يا لؤي ونعرف اخلاقك وكفائتك كما اننا بحاجة شديدة الى كوادر عالية مثلك فالمعهد في تطور وهناك خطط معدة للقفز به الى مستوى يجعله الاول بين المؤسسات المماثلة في الشرق الاوسط
- عظيم
- لهذا فان وجودك فيه مطلوب , بل ان هذا هو مهمة وطنية شريفة وانا لا اعتقد بان انسان وطني وغيور مثلك سيرفض مثل هذا التكليف
- ليس الموضوع موضع رفض يا دكتور
- ليس هذا فقط بل اننا نريد ان نجعلك تضطلع بمسؤولية رئاسة القسم الذي كنت تدرس فيه , فرئيس القسم الحالي غير كفوء وكبير بالسن ونحن نفكر باحالته على التقاعد . وبعد ان علمت بعودتك فكرت على الفور بانك يمكن ان تحل محله
- لكن دكتور
- لاتأتيني بمبررات تمنعك من العودة الينا يا لؤي , ولا اريدك ان تقرر الان . خذ وقتك بالتفكير واخبرني بقرارك حين تتخذه , لكني ارجوا من قلبي بان يكون قرارك بالاتجاه الذي نريده . وحين تقرر العودة الينا ساجعلك تباشر بوظيفتك بنفس اليوم لانه لن تكون هناك اجراءات تعيين جديد بل مجرد اعادة للخدمة بصفتك موظف سابقا عندنا
- حسنا سأفكر بالامر
- شكرا جزيلا

غادر لؤي غرفة المعهد وعاد الى البيت وهو يفكر مليا بالعرض الذي عرضه عليه عميد المعهد . ان العرض مغري , خصوصا من ناحية سرعة اجراءات العودة وهذا سيفيده كثيرا لانه بحاجة شديدة لسيولة مالية لانه تقريبا مفلس . لكن السيء في الامر هو متاعبه ومشاكله القديمة التي حصلت معه بهذا المكان نتيجة محاربة العميد السابق له وتسلق بعض الوصوليين والمنافقين على اكتافه . لكن ذلك العميد قد اقيل من منصبه اثناء وجود لؤي بالخارج , كما ان اغلب هؤلاء الموظفين الذين كانوا ينافقون عليه قدد نقلوا الى دوائر اخرى . وفي نفس الليلة اتخذ لؤي قرارا بالعودة الى العمل بالمعهد الهندسي العالي الذي كان يعمل به سابقا , وقرر ايضا ان لا يضيع الوقت ويباشر بالعمل في اليوم التالي .

- صحيح قررت العودة الينا يا لؤي , هذا اجمل خبر سمعته منذ مدة طويلة .
قال عميد المعهد للؤي حين دخل عليه ليبلغه بقراره بالموافقة على العودة للعمل معهم .
- ان جميع الاشياء التي ذكرتها لي يا دكتور شجعتني للعودة , كما اني قررت ان انسى المشاكل التي حصلت لي سابقا هنا وافتح صفحة جديدة
قال لؤي للعميد
- ونحن ايضا سنفتح صفحة جديدة معك يا لؤي . سنقوم باجراءات اعادتك للخدمة فورا وسنتعبرك الان قد باشرت بوظيفتك من جديد بعد ان تقدم طلب لي تعلن به بانك ترغب بالعودة الى وظيفتك السابقة .
- حسنا
- اما بشأن وعدي لك بان تصبح رئيس قسم فارجوا ان تصبر علي شهرين او ثلاثة ريثما نحيل الشخص الذي يشغل هذا المنصب حاليا على التقاعد , لكني ساعينك فورا معاونا له .
- شكرا , وليس عندي في هذا مشكلة
- على بركة الله ومبروك عودتك الينا
- شكرا


- يتبع -
صورة
صورة العضو الشخصية
Wisam Alshalchi
رئيس الهيئة الادارية
رئيس الهيئة الادارية
 
مشاركات: 3790
اشترك في:
الخميس أغسطس 30, 2012 3:35 pm
مكان:
الاردن , الولايات المتحدة
  

Re: للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه

مشاركةالسبت يونيو 01, 2013 6:17 pm


(2)

باشر لؤي بوظيفته واخذ يستجمع افكاره لكي يبدأ اولى خطواته بتطوير القسم الدراسي الذي يعمل به . اخذ يقترح على رئيس القسم خطط متعددة لتطوير المناهج الدراسية وتحسين ظروف العمل وتطوير الورش والمختبرات . اعجب رئيس القسم بنشاط لؤي واندفاعه وحماسه وفرح فرحا شديدا بان القسم والمعهد كسب شخصية مندفعة وخلاقة مثله . لكن هذا لم يدم طويلا اذ سرعان ما تواردت لاسماع رئيس القسم بان العميد ينوي استبداله بلؤي . غضب رئيس القسم غضبا شديدا من هذه الاخبار وحنق جدا على لؤي واصبح لا يطيقه ولا يحتمل رؤيته واخذ يعترض على كل مقترح يقدمه . تعجب لؤي كثيرا من تبدل مواقف رئيس القسم تجهه , فبعد ان كان يتقبل افكاره ويتبناها بسرعة اخذ يرفض اي مقترح يأتي به ويتحاشى حتى لقاءه . لم يكن صعبا على لؤي ان يفهم الدواعي التي غيرت مواقف رئيس القسم تجاهه لانه استنتج بان رئيس القسم لابد وان يكون قد علم بان ادارة المعهد والعميد ينونون احالته على التقاعد ووضع لؤي في محله , لذلك قرر ان يصبر على هذا الحال لحين ما يقوم العميد بتنفيذ وعده له بتعيينه كرئيس للقسم الدراسي الذي هو فيه .

لم يبقى رئيس القسم ساكتا على ماجرى وما يعد له وقرر التخلص من لؤي باي طريقة ممكنة . وبعد تفكير ملي قاده عقله الى طريقة جهنمية ستزيح لؤي من طريقه لمدة غير قصيرة , وربما ستريحه منه الى الابد . كانت الحرب مشتعلة بالبلد وكانت الاوضاع العسكرية غير مطمئنة اذ كثيرا ما كانت الاوضاع تتدهور في جبهات القتال بشكل يهدد امن وسلامة البلد . وكانت الدولة قد اتجهت منذ مدة غير قصيرة الى تجنيد المواطنين وخرطهم في ميليشيات تابع للحزب الحاكم باسم (الجيش الشعبي) وارسالهم بعد تدريب قصير الى جبهات القتال . وكان موقف لؤي من الخدمة العسكرية هو الاعفاء منها لانه حاصل على شهادة عليا , فاستنادا الى قوانين التجنيد النافذة في وقتها فان كل شخص يحمل شهادة عليا يعفى من الخدمة العسكرية . لكن من طرف اخر كان كل شخص غير منخرط بالخدمة العسكرية معرض لان يجند بالميليشيات الحزبية ويرسل الى الجبهة لمجرد مليء ساحات القتال بالمقاتلين . فكر رئيس القسم بطريقة تجعل اجهزة الحزب الحاكم تجند لؤي وتخرطه في احدى ميليشياتها المرسلة الى الجبهة , ولم يكن هذا عسيرا عليه لانه هو نفسه كان من اعضاء هذا الحزب . لم يكن الامر يحتاج الى اكثر من كتابة تقرير حزبي يجري فيه ابلاغ الخلية الحزبية في منطقة سكن لؤي عنه والطلب منها بتجنيده ضمن ميليشياتها التي تنظم كل مدة . وفي احد الايام استدعى رئيس القسم لؤي وقدم له استمارة طلب معلومات قال له بان السلطات تريدها منه . ولعفوية لؤي ونياته الحسنة لم يتردد من مليء الاستمارة بالمعلومات المطلوبة والتي كان اخطر ما فيها هو عنوان سكنه . فرح رئيس القسم فرحا شديدا بهذا الصيد الثمين الذي حصل عليه , ولم يكن عليه بعد ذلك غير كتابة التقرير وارفاق هذه الاستمارة به وارسالها الى خلية الحزب في منطقة لؤي عن طريق البريد الحزبي . وبالفعل قام رئيس القسم بتحويل الاستمارة بواسطة المراجع الحزبية الى الفرقة الحزبية في منطقة لؤي وتبليغها بعنوان سكنه لتجنيده في اول ميليشيا تتشكل بالمنطقة بذلك , واخذ يعد الايام بانتظار حصول شيء يظهر نتيجة ما عمله . لم يكن مثل هذا الامر يستغرق سوى ايام لحساسية هذه الامور والحاجة الماسة لمجندين بسبب كثرة الميليشيات التي يشكلها الحزب الحاكم لتعزيز جبهات القتال بها .

وبعد مدة ليست بطويلة حدث بالفعل ما كان رئيس القسم ينتظره , اذا استدعى مدير الادارة بالمعهد لؤي وقال له
- لؤي , اود ان اخبرك بانه في صباح هذا اليوم حضر شخصان من الفرقة الحزبية في منطقتك وطلبا مني بان أبلغك بضرورة مراجعة مقر تلك الفرقة لانك مطلوب للتجنيد في ميليشيا الجيش الشعبي التي يجري تشكيلها الان وستتحرك بعد عدة ايام لكي ترسل الى جبهات القتال
- ماذا تقصد ؟ وعن اي ميليشيا تتكلم , واي فرقة حزبية ؟ لم افهم كلامك , هل يمكنك ان توضح ؟
- الا تعلم يا لؤي بان كل فرقة حزبية تشكل ميليشيات عسكرية من المواطنين في المناطق التي تعمل بها وترسلهم الى جبهات القتال , وحتى انا شخصيا شاركت مرتين بهذه الميليشيات وسافرت الى الجبهة معها .
- لكني معفي من الخدمة العسكرية لكوني حامل شهادة عليا
- هذه الميليشيات ليست لها علاقة بقوانين الخدمة العسكرية لان المنخرطين بها يعتبرون متطوعين
- لكنك تقول بان الفرقة الحزبية تريد تجنيدي بها , فعن اي تطوع تتحدث
- هههههههههه . نعم افهم كلامك , لكن هذا ما يجري اعتباره , فكما تقول فان الامر يشبه التجنيد الالزامي لكنه يعلن على انه تطوع
- ومن هم هؤلاء , وكيف عرفوني , وكيف لي ان اعرفهم ؟
- يكفي ان تراجع مقر الفرقة الحزبية بمنطقتك وتبلغهم بما قلته لك
- وهل انت من بلغ تلك الفرقة الحزبية عني
- لا لا ابدا , صدقني انا لا علاقة لي مطلقا بهذا الامر . صحيح انا عضو بالحزب الحاكم لكني لم افكر يوما ما بالتبليغ عنك الى فرقة منطقتك الحزبية فليس لدي مصلحة بذلك ابدا
- من بلغهم عني اذن ؟
- صدقني انا لا اعرف , لكنه لابد ان يكون شخص يحبك كثيرا !!!! هههههه اقصد يبغضك كثيرا
- ومن تتوقع هذا الشخص
- لا ادري ولا احب ان افكر من هو
- شكرا جزيلا , سانظر بالامر
- ارجوك يا لؤي لاتحرجني . انا لم اشأ ان استدعيك حين حضرا الى هنا , لكني وعدتهما باني سابلغك بطلبهما
- حسنا فعلت , شكرا

داخ لؤي كثيرا بسبب ما سمعه من مدير الادارة . صحيح انه كان يسمع بميليشيات الجيش الشعبي التي كان حزب السلطة يشكلها والتي كانت تتم من خلال تجنيد الاشخاص بالقوة , لكنه كان مطمئنا بانه سيفلت منها لعدة اسباب . اول تلك الاسباب انه حامل شهادة عليا ومعفي من الخدمة العسكرية , وثانيا لانه غير حزبي , وثالثا لانه سكن حديثا في المنطقة التي يعيش بها وكان واثقا بان احدا لا يعرفه فيها . وحين فكر بمن يمكن ان يكون قد بلغ عنه قاده تفكيره فورا الى رئيس القسم لانه اكثر شخص ظهرت عليه علائم كره للؤي وسيستفيد من مثل هذا الامر ان حصل . فخلال الاشهر القليلة التي مضت منذ عودته الى العمل بالمعهد كانت علاقته بالجميع طيبة خصوصا عميد المعهد , الوحيد الذي ساءت علاقته به هو رئيس القسم . قرر لؤي ان يتجاهل الموضوع كليا ولا يستجيب له ويبعده عن تفكيره بقدر الامكان .

مضى حوالي شهر اخر والامور بدت وكان الموضوع قد مر ولا احد يسال عن لؤي او يستفهم عن ما حصل . وفي صباح احد الايام طلب مدير الادارة لؤي مرة اخرى وقال له هذه المرة
- لؤي , لقد حضر نفس الشخصين الذين سألا عنك قبل مدة وقالا لي بانك لم تراجع الفرقة الحزبية في منطقتك , وان القاطع الذي كنت مشمولا به قد التحق بالجبهة من دونك لكنك اصبحت الان مشمولا بقاطع اخر سيجري تشكيله خلال مدة قصيرة
- وبعد
- طلبا مني مرة اخرى بضرورة ابلاغك بهذا وضرورة مراجعتك لهم . لهذا ارجوك يا لؤي راجع الفرقة الحزبية في منطقتك وابلغهم بموقفك . قل لهم بانك تعمل بالتدريس في معهد عالي وان المدرسين معفيين من هذه القواطع خلال العام الدراسي وانهم يمكن ان يلتحقوا بها فقط اثناء العطلة الدراسية ونحن الان في بداية عام دراسي جديد ولابد بانهم سيتفهمون الامر ويعفونك من هذه التكليف
- حسنا سافعل
- ارجوك يا لؤي لا تحرجني لان عدم مراجعتك قد يعتبر تواطؤ مني معك وهذا قد يعرضني حزبيا للسوء , وحتى يعرض منصبي للخطر ايضا
- وهل اصبحت انا مطلوب لكي تتعرض بسببي للخطر
- لا لست مطلوبا لحد الان , لكن الامر يمكن ان يتحول ضدك اذا لم تراجع
- حسنا سافعل

قرر لؤي مرة اخرى ان يتجاهل الامر ولا يعيره اي اهتمام . لا يعني هذا بان لؤي كان غير مكترثا بما يجري بل بالعكس كان قلقا للغاية , بل انه كان حتى كان لا ينام بالليل من شدة تفكيره بهذا المصير الذي أل اليه . فبعد ان عاد للوطن بارادته تاركا كل الفرص الذهبية التي عرضت عليه وحالما بان يبدأ بتكوين مستقبله وتحقيق احلامه ها هو قد اصبح شبه مطارد ومصير مظلم لاتعرف نهايته بانتظاره . طبعا كان لؤي يحكي الاحداث لاصدقائه الذين يعملون معه في المعهد اولا باول , ومن بينهم صديق عمره كامل . وقد جعل هذا الوضع الكثير من هؤلاء الاصدقاء يبتعدون عنه ويتحاشون لقائه خشية ان تفسر اجهزة الدولة المنتشرة في كل مكان ذلك بانه تواطيء منهم معه لكي يفلت من التجنيد بقواطع الجيش الشعبي . كانت القوانين التي تشرع في البلد صارمة , وكان كثيرا من التشريعات التي تصدر ضد من يتهربون من الخدمة العسكرية او من يسهل لهم ذلك تحمل معها عقوبة الاعدام او قطع الاذان او الالسن وغيرها من العقوبات التي لا تخطر على ذهن . لهذا فان الناس كانوا يخافون من مثل هذه الظروف ويتحاشونها بقدر ما كان ذلك ممكنا .

وبعد يومين رن جرس باب بيت لؤي , وحين فتحه رأى شخصين بالملابس العسكرية الزيتونية يحمل كل منهما مسدس في حزامه ا
- مساء الخير
- مساء النور
- استاذ لؤي
- نعم
- اسفين على ازعاجك , لقد راجعنا المعهد الذي تعمل به وقابلنا مدير الادارة فيه وابلغناه بضرورة حضورك الى مقر الفرقة الحزبية في المنطقة لانك مشمول بالتجنيد في قواطع الجيش الشعبي التي يشكلها الحزب لكنك لم تراجعنا
- اي نعم لقد ابلغني مدير الادارة بذلك لكني في الواقع انشغلت ولم اراجع
- من غير زحمة عليك يرجى حضورك مساء غد لبيان موقفك من القاطع القادم الذي يجري تشكيله الان والذي سيتم تسفيره الى الجبهة خلال مدة قصيرة
- حسنا سافعل
- شكرا لك , مع السلامة
- مع السلامة

احس لؤي بان الخناق بدأ يضيق عليه , فهاهم هؤلاء جاءوا اليه الى بيته هذه المرة بدلا من الذهاب اليه في مقر عمله . مرة اخرى قرر ان يصمد ولا يراجع الفرقة الحزبية مع علمه بان وسائل الافلات منهم بدأت تقل وتضعف . وبعد ثلاثة ايام استدعى عميد المعهد لؤي وقال له
- لؤي , لا ادري ماذا حصل ولماذا وكيف , لكني اقول لك بان اشخاص من الحزب جاءوا الي صباح اليوم وقالوا لي بان تتهرب من التجنيد في قواطع الجيش الشعبي التي يشكلها الحزب واننا سنعتبر متسترين عليك . انا قلت لهم بانك مدرس عندنا والمدرسين معفيين من هذه القواطع اثناء العام الدراسي , وطلبت منهم الانتظار الى العطلة الصيفية . وحتى اني قلت لهم "تعالوا اليه بعد بدأ العطلة , واذا لم يستجب لكم في وقتها ساقوم انا بالحلول محله" . لم يرضهم كلامي وطلبوا مني ابلاغك رسميا بمراجعتهم لايضاح موقفك من القاطع الذي يجري تشكيله . لذا ارجوك يا لؤي قم بالمراجعة وابلغهم بانك مدرس وانك معفي حاليا لكون العام الدراسي قد بدأ لتوه
- حسنا دكتور , ساراجعهم وابلغهم بما قلته لي
- هل هذا وعد منك لي
- نعم اعدك بذلك

مرة اخرى قرر لؤي عدم المراجعة وقرر الصمود بوجه هذه الهبة الشرسة الخبيثة التي تريد النيل منه . لم يكن لؤي جبانا او متهربا من خدمة الوطن والدفاع عنه , لكنه كان يفضل الف مرة بان يجري تجنيده بالجيش النظامي بدلا من تجنيده في ميليشيات فوضوية , الامرين فيها اناس جاهلين بالامور العسكرية ويوضعون حسب تسلسل درجاتهم الحزبية حتى وان كانوا لا يعرفون اي شيء عن واجبات القيادة والمهام القتالية . وبعد ذلك بيومين , وقبل ذهابه الى المعهد في الصباح اتصل به بالهاتف جاره الذي يسكن في الدار المقابلة له وقال له
- لؤي , لقد خرجت لتوي لاذهب الى عملي لكني لاحظت وجود شخصين مسلحين يترتديان الزيتوني يقفان عند الباب الخارجية لبيتك
- صحيح ؟ لابد انهما من الفرقة الحزبية ويريدان القبض علي
- لا اعرف يا لؤي , لكني فقط احببت ان ابلغك لكي تتصرف بالطريقة المناسبة
- حسنا ساتصرف , شكرا جزيلا على ابلاغي

اتصل لؤي بالمعهد وقال لهم بانه مريض جدا ولا يستطيع الحضور ويطلب اجازة لمدة ثلاثة ايام . وافقت ادارة المعهد على منحه الاجازة خصوصا وانه لم يتمتع بأي اجازة منذ عودته للعمل . وخلال يومين متتاليين ظل بيت لؤي محاصرا من قبل اشخاص يجري استبدالهم كل ست ساعات . كان لؤي يراقب ما يجري من شباك المنزل دون ن يخرج من البيت مطلقا . لم يكن لؤي يعرف ماذا يفعل , لكنه قرر اخيرا الاتصال بشقيق زوجته عادل الذي كان هو الاخر عضو بالحزب الحاكم لابلاغه بالوضع الذي هو فيه . قال عادل للؤي
- لا تخشى شيئا يا لؤي , ساقوم الان بالاتصال بالفرقة الحزبية في منطقتك واطلب منهم فك الحصار عن بيتك . تعال الى بيتي هذه الليلة وسنناقش الامر معا
- - حسنا سافعل , شكرا جزيلا على جهودك

بعد حوالي ساعتين لاحظ لؤي بانه لم يعد هناك احد موجود امام بيته , فما كان منه غير ان يركب سيارته على الفور ويذهب الى بيت شقيق زوجته حيث قضى تلك الليلة عنده . وفي ذلك المساء دار الحديث الاتي بين لؤي وعادل قال عادل
- لقد اتصلت بالفرقة الحزبية في منطقتك ووافقوا على فك الحصار عن بيتك شريطة ان اتعهد لهم بانك ستراجعهم بنفسك بدلا من اخذك عنوة . لكن قل لي ماذا حصل يا لؤي
- انا لا اعرف يا عادل ماذا حصل , لكن فجأة قيل لي باني مطلوب للتجنيد في قواطع الجيش الشعبي التي تسافر الى الجبهة
- هذا طبيبعي يا لؤي وانا شخصيا التحقت بهذه القواطع ثلاث مرات
- لكنك حزبي والتحاقك بها مبرر , اما انا فلست حزبي
- ان الدولة طلبت من الحزب تجنيد حتى المواطنين المستقلين بهذه الميليشيات
- لكن لماذا لا يجري تجنيدهم بالجيش النظامي
- الدولة تريد ان تقول للعالم بان لدينا مئات الالاف من المتطوعين الذي يقاتلون بالجبهة
- لن التحق بهذه القواطع ابدا مهما حصل
- لكنك ستحرجني يا لؤي فانا تعهدت لهم بانك ستراجعهم
- لن اراجعهم ابدا
- ومن تعتبر نفسك يا لؤي حتى لا تريد ان تلتحق بهذه القواطع ؟ لو تم اعتباري متسترا عليك فستجري محاسبتي وسيتم عقابي حزبيا ووظيفيا بشدة
- الغلطة غلطتي فلم يكن علي ان اعود من الخارج اصلا
- لكنك عدت وعليك الان ان تتحمل تبعات ما عملته
- وهل تنسى بانك كنت واحدا من الناس الذين شجعوني على العودة
- نعم لم انسى ذلك , لكن هذا امر اخر
- الذنب ذنبي , والان فقط عرفت صدق ما قاله لي استاذي
- لا اعرف ماذا قال لك استاذك , لكن المهم عندي الان هو ان تراجع الفرقة الحزبية كما وعدتهم انا , وتلتحق بهذا القاطع الذي يجري تشكيله ان امكن لأنك لست احسن من غيرك
- انا جنيت على نفسي , والسبب كله هو غبائي وغباء زوجتي التي صورت لي عودتنا وكان هناك شام تنتظرنا حين نأتي الى هنا
- على كل , ارجوا ان تعذرني يا لؤي على ما قلته لك لحساسية الموقف , فالوضع الان جعل كل انسان بالعراق يصيح "يا روحي"

في صباح اليوم التالي غادر لؤي عائدا الى داره واحس بان شقيق زوجته عادل لن يفيده باكثر مما جرى . اتصل لؤي بصديق اخر له اسمه (فؤاد) والذي هو ايضا كان عضو بالحزب وابلغه بما جرى وطلب مساعدته لتخليصه من هذا المأزق الذي هو فيه . وبعد عدة ايام قال فؤاد للؤي بانه راجع الفرقة الحزبية في منطقة لؤي ولاحظ اصرار غريب على تجنيده بالقاطع القادم , وانهم حتى قالوا له بانك اذا كنت تريد تخليصه تعال وحل محله في القاطع الذي يجري تشكيله , وحتى هذا لن يفيده كثيرا لانه سيكون مشمولا في القاطع اللاحق .

مرت عدة ايام اخرى دون حدوث شيء , وفي صباح احد الايام وقبل دخول لؤي بسيارته الى داخل المعهد من البوابة الخارجية لاحظ وجود شخصين يرتديان الملابس الزيتونية واقفين في باب المعهد بشكل غير معتاد . لم يكن صعبا على لؤي ان يستنتج بان هؤلاء هم حتما من فرقة منطقته الحزبية وانهما يتربصان به للقبض عليه في باب المعهد هذه المرة . لم يدخل لؤي الى المعهد بل سار بسيارته الى الامام مبتعدا عن بوابة المعهد وعائدا الى داره . ومن هناك اتصل هاتفيا بصديقه كامل وطلب منه ان ينظم له استمارة عيادة خارجية لكي يراجع بها المستشفى . وبعد قليل اتصل كامل بلؤي واخبره بان رئيس القسم رفض تنظيم استمارة العيادة الخارجية لانك لم تحضر للعمل , وحتى مدير الادارة رفض تنظيمها واخبره بان هناك اشخاص من الفرقة الحزبية قد راجعوه وطلبوا منه استدعاء لؤي اليهم لكنه أخبرهم بانه متغيب عن الدوام هذا اليوم . كانت قوانين الدولة صارمة بسبب ظروف الحرب بحيث تعتبر من يتغيب عن الدوام الرسمي تهرب من المسؤولية وتوقع عليه عقوبات وتبعات شديدة حتى وان كان مدنيا . لم يكن امام لؤي غير ان يراجع احدى المستشفيات الحكومية ويبلغهم بانه مريض بشدة بحيث لم يستطع الذهاب الى دائرته وتنظيم استمارة مراجعة مستشفى . تفهم احد الاطباء الشبان وضع لؤي وادرك ظرفه وحالته ونظم له ترتيب لكي يدخل المستشفى لمدة يوم ثم منحه اجازة مرضية بعدها لمدة اسبوع يراجع المستشفى بعدها مرة اخرى . لم يعد لؤي الى داره في ذلك اليوم بل ذهب الى دار احد اصدقائه وبقى عنده عدة ايام . وفي كل يوم كان لؤي يتصل بصديقه كامل ويسأله عن الاحول فيقول له ان الجماعة بانتظاره في باب المعهد بشكل شبه يومي وان المعهد اعتبره متغيبا عن العمل , وان استمراره بالتغيب لمدة تزيد عن عشرة ايام ستقتضي من المعهد احالته الى السلطات الامنية المختصة . طلب لؤي من صديقه كامل ان ياتيه الى بيت صديقه ويأخذ كتاب الاجازة المرضية ويعطيه الى ادارة المعهد , وبالفعل قام كامل بذلك مما ادى الى انسحاب هؤلاء المتربصين له من بوابة المعهد . وعند نهاية الاجازة المرضية الاولى راجع لؤي نفس الطبيب وشرح له ظروفه بصراحة فمدد له الطبيب الاجازة اسبوعا اخرا لكنه قال له بانه لن يستطيع ان يمددها له مرة اخرى طالبا من لؤي ان يتفهم وضعه كطبيب خصوصا وانه جندي منتدب الى مستشفى حكومي وان تعاونه في مثل هذه الحالات قد يعرض وضعه للخطر . ارسل لؤي كتاب الاجازة الثاني الى ادارة المعهد بواسطة صديقه كامل مرة اخرى , لكنه ادرك بان كل وسائله بالهروب والافلات قد استنفذت ولم يعد امامه طرق اخرى متاحة لكي يستخدمها .

بعد يومين حصلت مصادفة عجيبة غيرت من مواقف لؤي كلها . فقد اجريت مقابلة مع رئيس الدولة اذيعت من التلفزيون سأله المذيع فيها عن موقفه من قواطع الجيش الشعبي التي يشكلها الحزب الحاكم . قال رئيس الدولة , (انا اؤيد تأييدا كاملا تلك القواطع , وادعوا المواطنين الى التطوع بها) . ثم استرسل بالحديث قائلا (يجب على كل مواطن غير مشمول بالخدمة العسكرية ان يلتحق بهذه القواطع دون استثناء , ومن يتخلف عنها سيأخذ بالقوة حتى وان تم جره من داره جرا) . ادرك لؤي بعد هذا الكلام بان اجهزة الحزب لن تتوانى حتى في اقتحام داره للقبض عليه ان استدعى الامر , لذلك قرر ان يذعن اخيرا للامر وان يتعامل مع الحالة التي هو فيها والمصير الذي ألم به كواقع حال وان يتوكل على الله فيما قرره فهو وحده المنجي والمخلص من كل شرورالدنيا .



-يتبع-
صورة
صورة العضو الشخصية
Wisam Alshalchi
رئيس الهيئة الادارية
رئيس الهيئة الادارية
 
مشاركات: 3790
اشترك في:
الخميس أغسطس 30, 2012 3:35 pm
مكان:
الاردن , الولايات المتحدة
  

Re: للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه

مشاركةالأحد يونيو 09, 2013 3:36 am


(3)

بعد يومين ذهب لؤي الى الفرقة الحزبية في منطقته وطلب رؤية احد المسؤولين وابلغه بأنه حاضر هنا بناء على استدعائه للالتحاق باحد قواطع الجيش الشعبي . رحب به هذا المسؤول بحرارة واخذ معلوماته وابلغه بالحضور مساء اليوم التالي حيث ستعقد الفرقة الحزبية ندوة للملتحقين بهذا القاطع . وبالفعل ذهب لؤي الى تلك الندوة التي تكلم فيها امين سر الفرقة الحزبية مرحبا بالحاضرين ومشيدا باخلاصهم ووطنيتهم وتطوعهم بهذا القاطع . كان يتحدث وكانه يضحك على نفسه , خصوصا حين يصفهم بـ "المتطوعين" لانه يعلم جيدا كما يعلم كل الحاضرين بانهم مساقين الى هذه المهمة قسرا , وان الحزبيين الذين ساقوهم هم ليسوا غير ادوات تستخدم من قبل السلطة لاصطياد المواطنين الابرياء وحملهم عنوة على الالتحاق بهذه القواطع , لكي يخلصوا انفسهم من الذهاب فيها لانهم سيساقون بها ان لم يجدوا من يساق اليها . وهنا حدث موقف مضحك , حيث تكلم احد الحاضرين موجها كلامه الى امين سر الفرقة قائلا "يا رفيقي انا معجب بكم وبتفهمكم العالي لظروف الناس , هل تصدق باني راجعت الفرقة الحزبية لمرات عديدة طالبا التطوع في القواطع التي تشكلونها , وفي كل مرة كان يقال لي نأسف فالقاطع ممتليء بالمتطوعين ولا مكان لك عندنا , راجعنا بعد مدة علنا نجد لك مكانا . واليوم انا فرح جدا اذ وفرتم لي هذه الفرصة في الالتحاق بهذا القاطع" . وقبل ان يعقب امين سر الفرقة تكلم احد المسؤولين الحزبيين في الفرقة وقال موجها كلامه الى الأمين "نعم استاذ , فالاخ المتكلم من المواطنين المخلصين في المنطقة وقد راجعنا لمرات كثيرة طالبا الالتحاق بقواطعنا , وفي كل مرة يأتينا كان القاطع مقبطا فكنا نعتذر له بأسف شديد" . اشاد أمين سر الفرقة بالمواطن ونبله واخلاصه ووطنيته وحث الاخرين على ان يقتدوا به ويكونوا مثله ودعا المسؤولين في الفرقة الى تنظيم المزيد من القواطع لاتاحة الفرصة امام المواطنين للالتحاق بها . تم بعد ذلك ابلاغ الموجودين بموعد الحضور للالتحاق بالمعسكر التدريبي وما يجب ان يجلبوه معهم . وبعد خروج لؤي من الندوة اتجه عائدا الى داره سيرا على الاقدام . وفي طريقه سمع نفس ذلك المواطن الذي تكلم في الندوة يقول لاصدقائه "هل سمعتم ما قلته وما قاله أمين سر الفرقة الحزبية . هل تعرفون باني متهرب من الجيش الشعبي منذ سنوات ولم يظفروا بي قط الا بعد ان تعبت وقررت من نفسي الالتحاق هذه المرة . وهل سمعتم كلام ذلك المسؤول الحزبي الذي ادعى باني كنت اراجعهم كثيرا وكانوا يعتذرون مني . انا لم ارى ذلك الشخص بحياتي , فهل رأيتم في حياتكم كذب مثل هذا ومسرحيات هزلية مثل هذه . انا ما قلت ذلك الكلام الا لكي ارى رد أمين سر الفرقة الحزبية الذي جاء يحدثنا بكلام فارغ ويصفنا بـ "متطوعين" وهو يعلم جيدا باننا ليس غير حيوانات في سيرك يحركها من حبسوها كيفما يشاؤون" . سمع لؤي هذا الكلام لان ذلك المواطن كان يسير وهو يتحدث مع اصدقائه على بعد عدة امتار منه .

وفي اليوم التالي ذهب لؤي الى المعهد وابلغ مدير الادارة بانه راجع الفرقة الحزبية وسيلتحق بعد ايام بالقاطع المتحرك للجبهة . رحب مدير الادارة بهذا الامر واشاد بشجاعة لؤي واخلاصه وهنأه على التطوع بهذا القاطع . بعد ذلك التقى لؤي باصدقائه في المعهد وحدثهم بماجرى له خلال الفترة الماضية . وقد سمع لؤي من بعض زملائه ممن شاركوا سابقا في قواطع الجيش الشعبي بان هناك امر يحصل عادة عند التحاق اي قاطع للجيش الشعبي بالمعسكر التدريبي , حيث يحضر شخص قيادي لالقاء خطاب حماسي بين مقاتلي ذلك القاطع وتوديعهم . وان هذا القيادي عادة ما ينادي بعد ان ينهي خطابه على بعض التخصصات الفنية ضمن القاطع كالمدرسين والاطباء وحملة الشهادات العليا ويقول لهم بان القيادة تعفيكم من القتال مع هذا القاطع للحاجة الماسة لتخصصاتكم في القطاع المدني , الا اذا اصررتم على ذهابكم معه . وعلم ايضا بان هذا ليس غير مجرد مسرحية هزلية تصور تلفزيونيا وتعرض امام الناس , ولم يحصل قط ان اعفى اي شخص من اي قاطع جيش شعبي متحرك , بل بالعكس فان قيادة القاطع تتخذ موقفا من مثل هؤلاء وتنسبهم في اسوأ الاماكن بعد التحاق القاطع بالجبهة عقابا لهم على مجرد تفكيرهم بالأنسحاب من ذلك القاطع .

وقبل ان يلتحق لؤي بهذا القاطع سال عن اسماء المسؤولين فيه ابتداء من أمره والاشخاص الذين يلوه بالمسؤولية . ثم اخذ يستفسر عن تلك الاسماء بين معارفه واقربائه , وصادف ان كان احدهم (واسمه رفيق وليد) صديقا لأحد اقرباء لؤي فزوده برسالة اليه لكي يستعملها عند الحاجة . بعد عدة ايام ودع لؤي اسرته والتحق بالقاطع الذي تحرك باتجاه المعسكر التدريبي . ومن اول تجمع للقاطع لاحظ لؤي بان أمر القاطع الذي كان احد المسؤولين الحزبيين في الفرقة الحزبية هو انسان شبه مجنون يصرخ بشدة في وجه كل من يحدثه وكانه يريد بهذا ان يكسب طاعة المساكين المساقين في قاطعه . كما لاحظ ايضا بان معظم الموجودين في هذا القاطع هم من كبار السن حتى ان بعضهم يسير وظهره محني , بينما كان هناك اشخاص لايستطيعون السير الا بصعوبة . وربما كان لؤي اصغر من في القاطع حيث كان عمره لا يتجاوز الثلاثين عاما بينما الباقين من اعمار ما بعد الخدمة العسكرية في ذلك الوقت والذي وصل فيه سن التجنيد الى 45 سنة .

ما ان دخل افراد القاطع الى المعسكرالتدريبي وتجمعوا في ساحته حتى تقدم له ضابط برتبة نقيب وقال له تعال معي . ذهب لؤي مع الضابط جانبا وقال له هناك
- ما اسمك
- لؤي
- حسنا يا لؤي انا اريدك ان تكون أمرا لمجموعة المغاوير بهذا القاطع
- ماذا ؟
- انك صغير في السن ولن اجد من هو افضل منك لهذا المنصب
- لكن انا لا اعرف شيئا عن ما تريد
- الم تخضع للخدمة العسكرية من قبل
- نعم
- هذا اكثر من كاف
- لكني كنت عسكري مهني اعمل في صنف يتطابق مع تخصصي الدراسي
- لا تحمل هما فالامر سيكون سهلا وليس صعبا وسندربك على مهمتك الجديدة

كان هذا التكليف هما جديدا اضيف الى هموم لؤي , لكنه توكل على الله . وفي صباح اليوم التالي تم تجميع القاطع وحضر احد اعضاء قيادة الحزب حيث القى فيهم خطابا تشجيعيا . وقبل ان يغادر حصل بالضبط ما سمعه لؤي في دائرته من زملائه , حيث قال ذلك القيادي بان الدولة بحاجة الى بعض التخصصات الفنية لكي يأدوا واجبات مدنية لا تقل اهمية عن القتال في الجبهة . ثم نادى على الاطباء في القاطع فلم يخرج احد . ثم نادى على حملة الشهادات العليا فخرج اثنين بالاضافة الى لؤي , واخيرا نادى على المدرسين فلم يخرج احد لان لؤي كان قد خرج مع حملة الشهادات العليا . اقترب ذلك القيادي من هؤلاء الثلاثة وابتدأ بسؤالهم عن تخصصاتهم والمواقع التي يعملون بها وفيما ذا كانوا راغبين بالانسحاب من القاطع ام البقاء به . قال الاثنين الاخرين بانهم يرغبون بالأنسحاب فعلا من القاطع , وحين جاء الدور للؤي قال للقيادي بانه يفضل البقاء . رحب ذلك القيادي بموقف لؤي وطلب من أمر القاطع تكريمه بوضعه في مكان جيد , وطلب من الأمر ايضا ترتيب انسحاب الشخصين الاخرين من القاطع . وقد حصل بالضبط ما روي زملاء لؤي له , فان هذين الشخصين لم يعفيا ابدا من القاطع بل ظلا يراجعان أمرية القاطع يوميا طيلة فترة التدريب بشأن الاعفاء من القاطع دون جدوى , وحين تم توزيع مقاتلي القاطع على الواجبات القتالية فيما بعد وضعا في اسوأ المواقع التي كلف بها القاطع .

بدأ التدريب العسكري لمقاتلي القاطع , وتم اخذ لؤي ومجموعته على حدة وبدأ تدريبهم بنوع من التدريب العنيف والشاق بصفتهم مغاوير وليس مقاتلين عاديين . مر ذلك اليوم على لؤي وكأنه سنة من شدة الارهاق والتعب الذي اصيب به . وفي المساء قرر ان يستخدم الرسالة الموجودة عنده لكي يخلص نفسه من هذه المهمة . سال عن ذلك المسؤول الحزبي الذي اسمه رفيق وليد فدلوه على خيمته فذهب اليه
- مرحبا
- اهلا
- رفيق وليد
- نعم , تفضل
- انا اسمي لؤي , والحقيقة احببت ان اسلمك هذه الرسالة اولا والتي هي من قريب لي اسمه عمار
قرأ المسؤول الحزبي الرسالة ثم رحب بلؤي بحرارة اكثر وقال له
- هل انت محتاج لشيء
- نعم يا رفيق وليد , في الحقيقة جئتك بطلب
- وما هو
- لقد تم تنسيبي امرا لمجموعة المغاوير في القاطع وانا اشعر باني غير صالح لهذه المهمة واريدك ان تساعدني في اعفائي من هذه المهمة
- هههههه , لكنك صغير السن , وارى بانك من اصلح الاشخاص في القاطع لهذه المهمة
- لكني لا ارغب بها
- حسنا اعتبر الموضوع منتهيا . صباح الغد سيتم اخذك الى مجموعة اخرى
- اشكرك من قلبي على هذا الصنيع
- انا ممنون , سلم لي على قريبك عمار في اول فرصة تراه
- سافعل , مع السلامة
- بامان الله

في صباح اليوم التالي واثناء التجمع الصباحي نودي على لؤي بالاسم واخذ الى مجموعة اخرى وقيل له ستصبح من الان أمرا لهذه المجموعة القتالية . لم يكن لؤي يريد ان يكون أمرا لمجموعة بل كان يريد ان يكون مقاتل عادي مسؤول عن نفسه فقط لكنه قبل بالامر دون تردد . تعرف لؤي على افراد مجموعته ولاحظ بان معظمهم اشخاص حرفيين وبتعليم متواضع , اذ لا يوجد بينهم من اجتاز حتى الدراسة المتوسطة . ومع ذلك حمد لؤي الله كثيرا لانه خلص من مجموعة المغاوير ولانه قد اصبح لديه في هذا القاطع شخص مسؤول يمكن ان يساعده عند الحاجة . استمر تدريب القاطع لثلاثة اسابيع متتالية اصبح بعدها جاهزا لتحريكه الى جبهات القتال . لم يكن احد يعرف اين سيرسل القاطع بل كل ما كان يقال مجرد تكهنات . وقبل تحرك القاطع بعدة ايام تم اخذ مجموعة من الامرين بينهم رفيق وليد بالاضافة الى عدد من المقاتلين كمفرزة امامية تذهب مقدما لاستطلاع المنطقة التي سينسب اليها القاطع . وبعد يومين استيقظ الجميع على أصوات اطلاقات نارية غير معتادة . بعد مدة قصيرة انتشر خبر في القاطع مفاده ان احدى عجلات المفرزة التي تحركت الى مكان القاطع قد اصيبت بلغم مزروع وان جميع افرادها قد استشهدوا ومن بينهم رفيق وليد . وقع الخبر كالصاعقة على لؤي لحزنه الشديد على ذلك الشخص الذي ساعده اولا , ولانه فقد من كان سيكون سندا له في هذا القاطع ثانيا . انتشر الحزن في عموم القاطع الذي خسر بعض امريه ومقاتليه حتى قبل ان يتحرك الى جبهات القتال .

بعد يومين اصبح القاطع متهيأ للحركة فحضرت العجلات وحملت القاطع وتجهيزاته وانطلقت به الى موقعه الذي نسب اليه . اتجهت القافلة باتجاه شمال البلاد واستمرت بالمسير طيلة ذلك النهار حتى وصلت مساءا الى المنطقة النهائية وكانت عبارة عن عدد من الجبال والتلال ممتدة على طول مسافة تقدر بحوالي 30 كيلومتر توجد على قممها مجموعة من الربايا وفي وسطها يوجد معسكر صغير . كان الموقع يقع في الخطوط الخلفية للجبهة في القاطع الشمالي من البلاد . وتتلخص مهمة القاطع بحماية طريق عسكري حيوي تمر عليه القوافل العسكرية المتحركة من والى الجبهة في تلك المنطقة , والذي تشرف عليه تلك الجبال والتلال على طول ذلك الطريق . تم توزيع المجاميع القتالية على تلك الربايا ومن بينها مجموعة لؤي , بينما خصص المعسكر الوسطي لمقر القاطع . وحين دخل لؤي ومجموعته الى الربية كان يوجد فيها المجموعة القتالية السابقة والتي يفترض ان تنسحب منها في اليوم التالي بعد حضور المجموعة الجديدة لاستبدالها . طمأن امر المجموعة المغادرة لؤي بان موقع ربيتهم امين ولا يوجد بالقرب منها أي عمليات عسكرية وان كل مهمتهم تنحصر بحماية جسر حيوي على الطريق العسكري الذي يمر على بعد عدة مئات من الامتار اسفل الربية ويستخدم لتنقل الوحدات والاليات المتحركة نحو الجبهة , لكنه اكد عليه بان عليهم دائما اتخاذ تدابير الحيطة والحذر خوفا من تسللات يمكن ان يقوم بها الاعداء بين اونة واخرى لزرع الالغام في هذا الطريق . وفي صباح اليوم التالي غادرت المجموعة السابقة بنفس السيارات التي جلبت القاطع وبذلك اصبح لؤي لاول مرة في حياته مسؤولا عن وحدة قتالية صغيرة وامام المسؤولية بشكل مباشر .

وفي نفس ذلك اليوم حضر الى ربية لؤي احد المسؤولين في القاطع وابلغهم بان مسؤوليتهم محصورة بحماية الجسر القريب منهم وتأمين الطريق العسكري الذي يمر عليه والقضاء على اي تسللات يمكن ان يقوم بها العدو لزرع الالغام في هذا الطريق . كما ابلغهم بان الاعدام سيكون مصير كل المجموعة اذا حدث اي خلل بواجبهم واصيبت اي من القوافل العسكرية المتحركة على الطريق او دمر ذلك الجسر . فهم لؤي واجبات مجموعته بدقة , وكعادته اخذ هذه المهمة بمحمل من الجد والمسؤولية واخذ يعد خطة عمل يتبعها تتضمن توزيع واجبات الحراسة والدورية على مقاتلي المجموعة التي يبلغ تعدادها حوالي 20 مقاتل . وبصفته أمرا للمجموعة وضع اسمه كمشرف ومراقب عام على جميع مقاتلي المجموعة لكي يضمن ادائهم واجباتهم بالشكل الصحيح . بدأ العمل واخذ افراد المجموعة بتنفيذ واجباتهم كما خطط لؤي . كان لؤي يقوم باعمال التفتيش على افراد المجموعة كل ساعتين او ثلاثة نهارا وليلا , ويدور عليهم للتأكد من قيامهم بواجباتهم كما يفترض . في الايام الاولى مر كل شيء بانتظام , غير انه بعد حوالي اسبوع اخذ التراخي والتململ يصيب افراد المجموعة بسبب عدم وجود عمليات عسكرية بالقرب منهم وعدم حصول اي حادث يذكر . لم يكن لؤي راضيا على هذا التراخي وكان يعنف افراد مجموعته باستمرار ويهددهم بانه سيبلغ امرية القاطع عن اي شخص لا يؤدي واجباته كما ينبغي . كان لؤي بهذا الموقف يشعر بمسؤوليته امام المهمة الملقاة على عاتقه ويريد ان يضمن سلامة افراد مجموعته والتي اصبحت حياتهم جزء من واجباته كأمر لهم . وبعد مدة , بدأ التذمر يظهر على مقاتلي المجموعة وبدأت علامات التضايق من لؤي تبدوا واضحة عليهم . بدأ هذا التضايق حين طلب بعض افراد المجموعة من لؤي السماح لهم بالنزول الى بيوتهم بشكل غير رسمي ليوم او يومين من خلال ركوب السيارات العسكرية المارة على الطريق والذاهبة الى بغداد . رفض لؤي هذه الطلبات بشدة مما جعل افراد المجموعة يحنقون عليه . شعر بعض افراد المجموعة بان وجود لؤي معهم غير مفيد وانه يمكن ان يكون افضل لو كان غير موجود معهم , لذلك اخذ هؤلاء يكيدون له ويفكرون بالايقاع به والتخلص منه .

بعد حوالي شهر من وجودهم في الربية , نزل لؤي في اول اجازة تمنح له بعد التحاقة في القاطع ووكل مساعده لقيادة الربية عند غيابه . كانت مدة الاجازة خمسة ايام وكان لؤي مشتاقا جدا الى عائلته بعد هذا الغياب عنهم . واثناء تلك الاجازة حدث امر غير متوقع . فلاول مرة اعلنت وزارة التعليم العالي عدد محدود من الزمالات الدراسية للحصول على شهادة الدكتوراه . كان هذا الامر هو اكثر شيء يتمناه لؤي في حياته لانه يحقق طموحه ويمكن ان يخلصه من الوضع الذي هو فيه . هيأ لؤي كل اوراقه المطلوبة وحملها متوجها الى الوزارة حامدا الله ان صادف موعد التقديم اثناء اجازته . وبعد استلام اوراقه من قبل الموظفة المختصة ابلغته بان موعد المقابلة سيكون في الاسبوع القادم وابلغته بمكان وموعد هذه المقابلة . كان هذا الامر غير متوقعا بالنسبة للؤي , فقد كان مفرحا من ناحية سرعة المقابلة ومزعجا له في نفس الوقت لانها ستصادف بعد انتهاء اجازته والتحاقه بالقاطع . قرر لؤي ان لا يضيع هذه الفرصة مهما كان الثمن وقرر البحث عن اي طريقة تضمن له البقاء في بغداد في الاسبوع اللاحق لانتهاء اجازته . كان للؤي صديق من ايام المدرسة اسمه د. محمد يعمل طبيبا في مستشفى الرشيد العسكري فاتصل به وعرض عليه موضوعه . طلب د. محمد من لؤي مراجعة المستشفى وسيقوم هو بتدبير طريقة لمنحه اجازة مرضية تسمح له بالبقاء في بغداد . وبالفعل , تم الامر بسهولة ومنح لؤي اجازة مرضية لمدة اسبوع . وعن تبليغ القاطع بهذه الاجازة قال د. محمد للؤي بان الاجازة سترسل بواسطة البريد العسكري لآمرية القاطع الذي ينتسب اليه وان لا عليه ان يقلق حول هذا الشأن .

وفي يوم المقابلة ذهب لؤي الى وزارة التعليم العالي في الموعد المقرر , وكم تفاجيء وذهل حين رأى المئات من الناس قد حضروا لتلك المقابلة ايضا . لم تكن الزمالات تتعدى العشرة مقاعد بينما كان عدد المتقدمين اليها يتجاوز الالفين مما سيجعل فرصة لؤي بالقبول فيها ضعيفة الى حد ما . كما ان لؤي غير حزبي مما سيضيف ايضا نقطة سيئة لسجله لان البعثات والزمالات كانت محصورة في ذلك الوقت بالمتقدمين من اعضاء الحزب الحاكم . توكل لؤي على الله وأمن بان قدره لن يكون غير ما كتبه الله له ودخل المقابلة وهو لا يكترث بعدد المتقدمين لهذه الزمالات ولا للاعتبارات الاخرى . وبعد انتهاء المقابلة ابلغت اللجنة من حضرها بان نتائج القبول ستعلن في الاسبوع اللاحق . قرر لؤي البقاء في بغداد بأي ثمن وانتظار اعلان النتائج متشبثا بامل ضعيف عله سيقبل بهذه الزمالة ويلتحق بها ليتخلص بعد ذلك من قاطع الجيش الشعبي وكل ما ترتب على ذلك الامر . اتصل لؤي بصديقه د. محمد مرة اخرى وابلغه بتطورات الموضوع طالبا منه ان يمدد اجازته لاسبوع أخر . وافق د. محمد على طلب لؤي لكنه ابلغه بانه لن يستطيع ان يمددها لمرة ثالثة بسبب التشديد الذي تفرضه الدولة على مثل هذه الامور لقطع دابر التمتع باجازات مرضية من قبل الجنود والمقاتلين . كان تمديد الاجازة لاسبوع اخر اكثر من كافي بالنسبة للؤي لانه اذا قبل بالزمالة فسيعفى اوتومامتيكيا من الاستمرار بالقاطع لانه سيصبح طالبا , اما اذا لم يقبل فسيعود ويلتحق بالقاطع دون مشكلة .

كان لؤي يفترض بان قرار منحه الاجازة المرضية سيصل خبره الى أمرية القاطع دون حصول مشكلة بذلك كما اخبره صديقه د. محمد . لكن ما حدث لم يكن كذلك , فاثناء تلك الاجازة حضر مدير ادارة المعهد الذي يعمل به لؤي الى داره ليسال عنه , وحين وجده بالبيت أبلغه بان امرية القاطع قد ابلغت المعهد بان لؤي قد فر من القاطع وان السلطات العسكرية قد ابلغت بفراره وانه اصبح الان مطلوبا لكونه عسكري هارب . أخبر لؤي مدير الادارة بان الامر فيه التباس لانه حاصل على اجازة مرضية من مستشفى الرشيد العسكري وأراه نماذج الاجازة . اطمئن مدير الادارة على حالة لؤي وطلب منه الاحتفاظ بتلك النماذج واخذها للقاطع بعد التحاقه لانه وكما يبدوا فان الكتب الرسمية بمنحه تلك الاجازات لم تصل الى أمرية القاطع . وبعد اسبوع اعلنت نتائج القبول في الزمالات الدراسية ولم يكن اسم لؤي من بين الاسماء المقبولة . لم يستغرب لؤي لهذ الامر خصوصا بعد ان راى عدد المتقدمين لتلك الزمالات لانه عرف من وقتها بانه لن يستطيع ان يقارع ديناصورات الحزب الحاكم من المتقدمين لها .

وبعد انتهاء الاجازة المرضية حزم لؤي حقيبته وتوجه الى الربية التي كان منسبا لها . وبعد وصوله الى هناك وجد احد مقاتلي مجموعته قد اصبح أمرا للمجموعة وانه قد اعفي من منصبه كأمر لها , كما ابلغ ايضا بان امرية القاطع تريد احضاره مخفورا الى مقر القاطع فور التحاقه . ارسل امر المجموعة الجديد اثنين من المقاتلين بصحبة لؤي الى مقر القاطع لتسليمه , وهناك طلب امر القاطع احضاره اليه . دخل لؤي على امر القاطع يحيط به اثنين من الحرس وهما يمسكانه من ذراعيه , وهنا سأله امر القاطع عن سبب غيابه . قال لؤي للامر بانه لم يكن متغيبا لكنه متمتع باجازة مرضية ممنوحة له من مستشفى الرشيد العسكري وقدم له نماذج الاجازة الموجود معه . صرخ أمر القاطع بوجه لؤي بهستيريا واضحة
- كذب , كذب , هذه النماذج مزورة
- كلا يا رفيقي ليست مزورة بل رسمية وهذه النماذج زودت بها من المستشفى واخبروني بان الاصلية سترسل اليكم بالبريد العسكري
- لاتقل رفيقي بل قل لي سيدي , ليس هناك في العسكرية كلمة رفيقي
- لكننا لسنا في وحدة عسكرية , بل نحن في قاطع جيش شعبي ونحن متطوعين
- هذا كان قبل التحاقكم , اما الان فنحن في وحدة عسكرية وانتم مثل الجنود بالضبط , واذا لم تعرف ما هي العسكرية في حياتك سأريك معنى العسكرية
- بل اعرف العسكرية جيدا لاني خدمت فيها
- بل انت لا تعرفها ابدا , وانك لست غير كذاب ومزور وفار ولو كانت هذه النماذج حقيقية لكانت وصلتنا بالبريد العسكري فعلا
- ليس ذنبي انها لم تصلكم , كما اني لست فارا والا ما عدت الى هنا
- بل انت فار والف فار , خذوه للسجن
ثم اخذ أمر القاطع يصرخ بأعلى صوته كالمجنون
- سجن سجن سجن ... خذوه للسجن
فما كان من الحراس المحيطين بلؤي سوى ان يجروه وياخذوه الى السجن الذي لم يكن غير غرفة محفورة داخل الارض يؤدي اليها سلم محفور ويقف على بابها بعض الحراس .

لم يكن في تلك الغرفة المحفورة غير صخرة كبيرة للجلوس وفانوس للاضاءة وحصيرة مفروشة بالارض للنوم وبطانية قذرة ذات رائحة نتنة لكي تستخدم للوقاية من البرد القارص . كان كل شيء في تلك الحفرة مخيفا , فقد كانت مليئة بالثقوب التي تخرج منها الصراصر والحشرات من كل الانواع . اما الطعام فكان يجلب للسجين بقصعة فيها طعام لا يوصف بغير انه شبيه تماما لمنظر الاكل الذي يتقيأه الانسان .

جلس لؤي على الصخرة ووضع راسه بين راحتي يداه واخذ يستعرض الحال الذي اصبح فيه . فمن طالب مجتهد كان ممكنا ان يتحول الى باحث وحتى عالم في احدى الدول الاجنبية اصبح الان ليس اكثر من قرد مرمي في حفرة بائسة ومتهم بانه كذاب ومزور وفرار . كان الوضع اكثر من محزن بالنسبة للؤي , وكان يقول لنفسه انا استاهل كل ما جرى لي . فبدلا من ان استفيد من كل الفرص التي منحت لي واضع كل شيء ورائي ولا افكر فيه , عدت الى بلدي في خضم الحرب المشتعلة في أمل ان اخدم هذا الوطن بالشكل الذي اريده واحقق طموحي في الحياة ايضا . كان يتذكر قول استاذه باستمرار حين قال له وهو يودعه (اذهب ايها الغبي وسترى بعينك خطأ قرارك) .

بعد يومين جاء الى ذلك السجن احد الرفاق الحزبيين واسمه (رفيق علي) والتقى بلؤي وقال له
- لؤي , لقد سمعت بما جرى لك وجئت صباح اليوم وقابلت أمر القاطع وتحدثت معه بشأنك . لقد قلت له (هل تعرف من هو لؤي , انه الشخص الذي قال للقيادي في الحزب في اول يوم التحقنا فيه بالمعسكر التدريبي "انا افضل بالذهاب مع القاطع ولا انسحب منه") . وقلت له ايضا (هل من المعقول بان يفر هذا الشخص من القاطع وهو كان عازما على البقاء معنا) . وقد ابلغني أمر القاطع قبل قليل بان كتاب منحك الاجازة المرضية الرسمي قد وصل للتو وان موقفك الان اصبح سليم من الناحية القانونية وتستطيع ان تعود لربيتك . أنا اعرف ايضا بان افراد مجموعتك لا يحبونك ولا يريدونك بينهم من خلال المعلومات التي وصلتني عنك وعنهم . لذلك فقد طلبت من امر القاطع ان ينقلك الى ربيتي حيث يوجد اشخاص من مستواك العلمي والاجتماعي تستطيع ان تقضي معهم المدة المقررة لهذا القاطع وقد وافق على طلبي . لن تكون أمر ربية كما كنت سابقا لكني متأكد بانك ستجد الوضع معنا افضل كثيرا من الوضع الذي كنت فيه .
- انا اشكرك من قلبي على هذه الخدمة التي لن انساها ابدا طيلة حياتي
- العفو يا لؤي , هيا بنا الان الى ربيتك لتأخذ اغراضك من هناك وتأتي معي الى ربيتي
- هيا

انتقل لؤي الى الربية الجديدة وتعرف على المقاتلين الموجودين فيها وكانوا من شرائح مثقفة مما أسعد لؤي كثيرا لانه على الاقل سيجد اناس يتحدث معهم يفهمونه ويفهمهم . ظل لؤي بهذه الربية طيلة فترة وجوده بالقاطع والتي أستغرقت حوالي سنة . وخلال تلك السنة تقوت علاقة لؤي ببعض المقاتلين الموجودين في هذه الربية واصبحوا اصدقاء له حتى بعد نهاية القاطع . وخلال تلك الفترة لم يحصل سوى حادث واحد . ففي احد الايام علم مقاتلي المجموعة بان الرفيق علي قد جرى اعتقاله فجأة دون ان يعرفوا السبب وراء ذلك . وبعد عدة ايام من هذا الحدث جاءت مجموعة سيارات مدنية رباعية الدفع الى الربية واخذت منها بالاسماء عدد من من المقاتلين بينهم لؤي . لم يكن احد يعرف ماذا حصل ولماذا اخذوا من الربية دون غيرهم . انطلقن السيارات بهؤلاء وشعر لؤي والسيارة التي هو فيها تشق الطريق وكأنه مأخوذ للاعدام لانه لم يكن يعرف ماذا حصل ولماذا أخذ . اتجهت السيارات نحو احدى مدن المحافظات الشمالية ودخلت الى مبنى كان من الواضح بانه دائرة امنية بسبب عدم وجود اي علامات تشير اليه وفي نفس الوقت تتشدد الحراسة حوله . وضع المقاتلين في غرفة ثم اصبحوا ينادون عليهم الواحد تلو الآخر بالاسم . كان من يذهب لا يعود مما جعل الجميع يتصورون الامر وكانه اعدام حقيقي . جاء الدور للؤي واخذ الى غرفة دخل فيها فوجد لجنة تتكون من عدة اشخاص يجلسون على طاولة . جلس لؤي واخذت اللجنة تساله
- هل تعرف رفيق علي
- نعم
- ومن اين تعرفه
- هو أمر لأحدى قواعد القاطع الذي انا فيه وهو مسؤول عن مجموعة ربايا ومقره في نفس الربية التي انا فيها
- هلم سمعته مرة يتحدث بكلام سيء عن السيد الرئيس
- ابدا
- لكن لدينا تقارير تقول بانه لاكثر من مرة تحدث عن السيد الرئيس بكلام سيء
- بالعكس انا اراه انسان ملتزم ووطني ويؤدي واجباته بشكل جيد ولم اسمعه قط يتحدث بكلام سيء عن السيد الرئيس
- انك شاهد , واذا اتضح بان شهادتك هذه كذب فيمكن ان يكون مصيرك مثل مصيره
- انا واثق مئة بالمئة من كلامي , واؤكد لكم بانه لم يتكلم بكلام سيء عن السيد الرئيس
- هل لديك شيء أخر تقوله
- كلا
- حسنا وقع على افادتك وانتظر خارجا
ادرك لؤي بان الموضوع كله يتعلق بالرفيق علي , اذ لابد بان احدهم كتب عنه تقارير كيدية للنيل منه لسبب ما . ارتاح لؤي لانه ارضى ضميره بقول الحقيقة علها تساعد هذا الرجل الطيب وتنجيه مما هو فيه . وفي المساء جائت نفس السيارات واعادت المقاتلين الى ربيتهم .

بعد عدة ايام اطلق سراح رفيق علي وعاد الى الربية لانه كما يبدوا فان التهم الموجهة اليه لم تثبت صحتها . لكن هذا الرجل المسكين تغير كثيرا واصبح عصبي المزاج يعامل الجميع , ومن بينهم لؤي , بريبة وشك وخشونة . كان هذا طبيعي لانه لم يكن يعرف من الذي كان يرفع التقارير عنه , لكنه كان متأكدا بانه حتما احد الموجودين بالربية .

استمر لؤي في الخدمة في تلك الربية في بقية مدة القاطع من دون أي حوادث تذكر , فخلال كامل المدة التي نسب اليها القاطع لم يصادفه اي حادث قتالي . وبعد مضي حوالي سنة من بدأ الخدمة فيه انتهت مهمة القاطع وجرى استبداله واعادته الى بغداد . ضاعت تلك المدة من عمر لؤي بعد ان قضاها بشكل مرير وبصعوبة بالغة , لكنه كان فرحا بانها انتهت بخير وسلام من دون ان يتعرض لاي خطر او أذى , وهاهو يعود الى حياته السابقة متأملا بان يعوضه الله خيرا عن ما جرى بعد ان مضى على عودته من بريطانيا حوالي سنة ونصف دون ان يتقدم بوصة واحدة تجاه بناء حياته وتحقيق احلامه .


- يتبع -
صورة
صورة العضو الشخصية
Wisam Alshalchi
رئيس الهيئة الادارية
رئيس الهيئة الادارية
 
مشاركات: 3790
اشترك في:
الخميس أغسطس 30, 2012 3:35 pm
مكان:
الاردن , الولايات المتحدة
  

Re: للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه

مشاركةالسبت يونيو 15, 2013 5:08 pm


(4)


بعد اجازة قصيرة التحق لؤي بموقع عمله في المعهد وسط ترحاب شديد من عميده واصدقائه هناك . الوحيد الذي لم يكن مرتاحا لعودته هو رئيس القسم الذي احس بالخطر من جديد اثر عودة لؤي . كان لؤي شاعرا بهذا لكنه لم يعرف ماذا يفعل حيال هذا الامر . وبعد تفكير ملي قرر التقدم بطلب نقل الى الجامعة المستنصرية رغبة منه بالخلاص من الوضع الذي هو فيه لكي لا يبقى يعمل تحت يد شخص يكرهه . ارسل عميد المعهد على لؤي وترجاه بان يتراجع عن قراره ويسحب طلبه , وقال له
- لؤي ارجوك اسحب هذا الطلب
- دكتور , انا عدت الى المعهد بروحية جديدة وكنت ناوي ان اعمل قصارى جهدي لكي افيده واطوره وفي نفس الوقت احقق طموحاتي وغاياتي , لكن كما يبدوا الاجواء غير ملائمة . لقد اصابني الاذى من هذا المعهد قبل سفري الى الخارج بسبب العميد القديم , وانا لم ارجع اليه الا بعد ان علمت بانك تسلمت ادارته . لكن الاذى ظل يطاردني , وهاأنذا خسرت حوالي سنة ونصف من عمري منذ عودتي دون ان افعل او احقق اي شيء بسبب من أخذ يكيد لي هنا . لا تظن باني لم اعرف من بلغ عني لتجنيدي في قاطع الجيش الشعبي , فقد اخبروني هناك من كان يبلغ عني ويرفع التقارير ضدي , لذلك فانا شخصيا لم اعد اريد البقاء هنا
- انا اعلم يا لؤي من تقصد , واعلم ايضا بان في نفسك عتبا لي لاني لم افي بوعدي واعينك رئيسا للقسم كما وعدتك . لكن في الواقع هناك مشكلة تواجهني في هذا المسعى وهي التي منعتني من تنفيذ ذلك
- وما هي
- ان المعهد اصبح فيه الان تنظيم حزبي وهو الان بمستوى فرقة حزبية , وقيادة هذه الفرقة لا توافق على تعيينك كرئيس قسم لانك لست حزبي . ليس هذا فقط بل انهم غير راضيين حتى عن عملك ووجودك بالمعهد في الاساس لان المعاهد والكليات اصبحت مغلقة حزبيا وجميع العاملين فيها يجب ان يكونوا من المنتمين للحزب
- وماذا يعني هذا
- هذا يعني ان تعيينك كرئيس قسم غير ممكن بوضعك الحالي , وحتى بقائك كمدرس في المعهد اصبح مخطورا
- اذن هذا سيفيدني في طلب النقل
- ليس كما تظن
- ماذا تقصد
- لن يوافق احد على طلبك بالنقل الى الجامعة المستنصرية لنفس السبب وهو انك غير حزبي , لانك ايضا ستصبح تدريسي هناك وستتكرر نفس الحالة , وانا اخشى بان يأتينا امر نقلك الى اي دائرة اخرى في اي وقت
- ماذا
- هذه هي الحقيقة
- وماذا علي ان افعل
- تنتمي للحزب , او تقبل بما ينتظرك
- وماذا ينتظرني
- كما قلت لك النقل الى اي دائرة عادية , والله اعلم ماذا واين ستكون
- لكن هذا ليس فيه حق
- هذه سياسة الدولة
- والعمل
- لا اعرف , لكن فكر بالامر فربما تقتنع بذلك
- شكرا دكتور على هذه المعلومات , وسافكر فعلا بالامر
- حسنا تفعل

اصطدم لؤي بهذه المحنة الجديدة التي تواجهه واحس بان المشاكل تحيط به باستمرار , فما ان يخرج من مشكلة حتى يجد نفسه يدخل في مشكلة جديدة . وكان كلما واجه ازمة جديدة يتذكر غلطته الكبرى بالعودة للوطن ويستذكر قول استاذه له في أخر مرة رأه حين قال له فيها (اذهب يا غبي وسترى بعينك خطأ قرارك) . ناقش لؤي هذه المشكلة مع زوجته التي كانت تحس دائما في كل مرة يقع فيها زوجها في مشكلة بانها سبب الكارثة من الاساس حين اصرت عليه بان يعودا للوطن رغبة منها بان تكون قريبة من اهلها . قالت له زوجته
- أنا اعلم باني انا سبب المشكلة حين ضغطت عليك بالعودة للعراق . الان احسست بغلطتي الكبرى وكم اتمنى الان لو انك لم ترضخ لضغطي ولم نعد لهذا البلد مرة اخرى . لماذا وافقتني على طلبي , ولماذا لم تعارضني وتلطمني على فمي حين اصررت على هذا الطلب
- لم اكن استطيع ان أفعل هذا
- لماذا
- لاني احبك يا عزيزتي ولم اكن اريد ان اخسرك
- وكيف تخسرني
- كنت اتصور باني اذا اصررت على عدم العودة الى الوطن والبقاء في بريطانيا او السفر الى كندا فانك ستتركيني وتعودين لوحدك لشدة ما رايته فيك من تعلق وشوق لأهلك
- لكن كان عليك ان لا تستجيب لألحاحي وتجبرني على عدم العودة
- لم تكوني وحدك السبب , فكل اصدقائي هنا وفي بريطانيا اشاروا علي بالعودة بأمل الحصول على بعثة دراسية في المستقبل . وحتى أهلك فقد شجعوني كلهم على العودة , بينما عارض ذلك كل اهلي . لكني كما يبدوا لم اميز النصيحة المخلصة من النصيحة الخبيثة وهذه من اكبر الاخطاء التي وقعت بها لاكثر من مرة , والان فقط عرفت من كان ينصحني باخلاص ومن كان ينصحني ليوقع بي
- هل تقصد بان اهلي كانوا يريدون الايقاع بك
- ليس هكذا بالضبط , لكنهم كانوا لا يريدون ان تكوني بعيدة عنهم وفكروا بمصلحتهم ولم يفكروا بمصلحتي
- أه , كم انا نادمة لاني ضغطت عليك كل ذلك الضغط
- لا عليك الان فما ذهب قد ذهب وما علينا الان الا ان نجد مخرجا من المشكلة الجديدة التي انا فيها والا ربما ساجد نفسي فجأة ليس غير كاتب في دائرة بريد في احدى نواحي المحافظات البعيدة
- انا ارى بان ليس عليك سوى ان تستجيب لما يريدوه منك
- تقصدين ان انتمي للحزب
- نعم
- لكنك تعرفين باني لست سياسي ولم ارد ان اكون هكذا في يوم من الايام
- هناك الكثيرون مثلك ممن انتموا للحزب لمجرد الحفاظ على مواقعهم
- هل هذا هو رأيك
- وهل عندك بديل
- لا
- اذن افعل وسايرهم والا سيحدث لك ما لا تحبه
- لكني سابدوا كمن يبحث عن مصلحة من هذا الانتماء
- كلا لست صاحب مصلحة لانك لست مقدما على هذا الفعل من نفسك لاجل غاية تريدها , لكنك مضطر اليه لكي تحافظ على وظيفتك كتدريسي
- نعم هذا حقيقي
- اذن لا تخشلى شيئا ولن يقال عنك بانك انتميت لاجل مصلحة
- ربما
- هذا هو الحل الوحيد
- يمكن
- لا يمكن ولا هم يحزنون , انت مضطر لهذا فهيا توكل على الله وهو سيبقى يرعاك برحمته
- ونعم بالله

بعد عدة أيام راجع لؤي عميد المعهد وقال له
- دكتور , لقد فكرت بما طرحته علي وقررت ان انتمي للحزب
- نعم القرار ونعم الصواب . حسنا اكتب لي طلب انتماء وساقوم برفعه الى قيادة الفرقة الحزبية في المعهد , وان شاء الله بمجرد انتمائك للحزب لن يبقى اي اعتراض على تعيينك رئيسا للقسم
- سنرى
- لا لا , لا تظن باني اكذب عليك لان هذا هو السبب الوحيد الذي كان يواجهني امام هذا التعيين
كتب لؤي طلب الانتماء في نفس اللحظة وسلمه للعميد الذي قال له
- انا سعيد جدا بانتمائك للحزب , وساكون سعيدا اكثر بعد ان تصبح رئيسا لقسمك الدراسي
- شكرا دكتور
- العفو , وعلى بركة الله

بعد حوالي اسبوعين اتصل بلؤي احد الحزبيين في المعهد وحدد له مكان وموعد اجتماع حزبي لكي يحضره . حضر لؤي ذلك الاجتماع حيث رحب به مسؤول الخلية وقال له بانهم سعداء بانضمامه الى صفوفهم وانه من الان حزبي بدرجة (مؤيد) وان شاء الله سيترقى في الحزب بسهولة لما معروف عنه من علم وثقافة واخلاق وغيرها من الصفات . وبعد ذلك باسبوعين اخرين صدر امر وزاري باحالة رئيس قسم لؤي على التقاعد وتعيينه بهذا المنصب بدلا عنه . وعلى اثر صدور هذا القرار شاع في المعهد عامة , والقسم الدراسي للؤي خاصة نوع من الفرحة على تعيين لؤي رئيسا للقسم وجاء الجميع يهنئونه على هذا التعيين ويتمنون له النجاح في مهمته الجديدة .

بدأت في حياة لؤي صفحة جديدة قرر ان يستغلها باقصى ما يمكن له بعد ان ضحى كثيرا للوصول الى درجة تمكنه من تحقيق طموحه العملي والشخصي . لهذا فقد اخذ يضع الخطط ويستنبط الافكار ويسخر كل جهوده للمضي بهذه المهمة الجديدة . كانت روحية لؤي الشابة وثقافته العالية وعلمه الغزير الذي اكتسبه من دراسته في الخارج هي الاعمدة التي بدأ يستخدمها كأساس للانطلاق في تنفيذ الخطط والبرامج التي اخذ يرسمها . اطلع اولا على حالة القسم وورشه ومختبراته فوجدها تعبانة للغاية . معظم الاجهزرة والمعدات الموجودة لا تعمل , ومعظم التدريب الذي يجري كان نظريا وغير عمليا . ثم اطلع على تركيبة المناهج التي تدرس فيه فوجدها متأخرة ولا تصلح للوقت الذي يعيش فيه لان معظم المواد الدراسية التي تدرس تؤخذ في الخارج في مرحلة الدراسة الثانوية . كما ان المناهج متخمة بشكل فظيع باعداد من الساعات والحصص الدراسية لتدريس مواد غير نافعة وغير ضرورية . بعد ذلك اخذ يعقد الاجتماعات مع الهئيتين التدريسية والتدريبة في القسم وراح يستفسر منهم عن مشاكلهم والصعوبات التي تواجههم . تعرف لؤي عن كثب على العاملين في قسمه وكان عددهم حوالي 35 منتسب غير المنتسبين الذين كانوا ملتحقين بالخدمة العسكرية . وكان جميع هؤلاء متجاوبين مع اندفاع لؤي وروحيته المقدامة واظهروا له الرغبة بالتعاون معه لخلق واقع عمل جديد في القسم . ومما لاحظه لؤي وكان يعرفه من قبل هو قسمه الدراسي في مؤخرة اقسام المعهد من جميع النواحي , سواء في الامكانيات والمستوى العلمي واعداد الطلبة ومدى الانسجام والترابط الموجود بين منتسبيه بسبب سوء اداراته السابقة . كما اطلع لؤي ايضا على قوانين المعهد والصلاحيات الادارية والمالية التي يخولها له القانون والواجبات والمسؤوليات التي تقع على عاتقه . وبعد الاطلاع على كل شيء اخذ يفكر بهدوء ويضع الخطط ويقدر المدد الزمنية اللازمة لتنفيذها . بدأ برفع الخطط والمقترحات الى عميد المعهد بالتدريج للموافقة عليها وطالبا ان يزوده بالصلاحيات الادارية والمالية لكي يبدأ بتنفيذها . لم يبخل عليه عميد المعهد بشيء وكان متجاوبا معه جدا ومرحبا باي فكرة او مقترح يرفعه . لكن الامر لم يكن كذلك بالنسبة لباقي زملاء لؤي من رؤساء الاقسام واخذت تظهر عليهم علامات عدم الارتياح لما يفعله . كان لؤي حين يحضر اجتماع مجلس المعهد يسخر نصف الوقت المحدد لمناقشة خططه ومقترحاته لتطوير قسمه الدراسي , وكان يلاحظ بوضوح علامات التململ والتضايق التي تظهر على باقي رؤساء الاقسام من هذا النشاط . كان لؤي فطنا وذكيا ويعرف من تجاربه بالحياة بأن من لا يعمل يتضايق من زميله الذي يعمل بجد , لذلك لم يستغرب في ان يرى زملائه من رؤساء الاقسام الاخرين يتضايقون منه , خصوصا وانه كان كتلة من النشاط والرغبة بالتجديد بينما كان الباقين ليسوا اكثر من اشخاص روتينيين لا يحملون اي افكار جديدة او روحية للتغيير .

بدأ لؤي بتجربة العاملين معه بالقسم واختبار امكانياتهم في مهمات صغيرة اخذ يكلفهم بها . ومن هذه التكليفات استطاع ان يشخص من يمكن الاعتماد عليه بالمهمات الصعبة ومن لا يمكن الحصول منه على اي شيء خارج مهامه الأعتيادية . وبعد عدة اشهر من توليه المسؤولية وضع الترتيبات لتأليف فريق عمل فني من عدة اشخاص واصبح يعتمد على هذا الفريق في انجاز المهمات الجديدة التي وضعها لقسم . وقد كان هؤلاء عند حسن ظن لؤي فعلا فراحوا يتسابقون في تنفيذ ما يطلبه منهم ويتبارون في حسن ادائه . كان أول شيء فكر فيه لؤي هو تطوير الورش والمختبرات ووضع خطط جديدة لبناء عدد جديد منها . غير ان هذا اصطدم بجدار التخصيصات وقلة الميزانية المخصصة للقسم بسبب ظروف الحرب وايقاف الخطط التنموية والاستيرادات وجعلها مقتصرة على استيراد المعدات اللازمة لخدمة المجهود الحربي . لم يعبأ لؤي بهذه المعضلة فراح هو وفريق عمله يطوفون في مؤسسات الدولة ومصانعها ومنشأتها للبحث عن الاجهزة والمعدات التي تفيض عن الحاجة . وكان حين يلقى شيئا يسارع بمفاتحة الجهات العليا واستحصال الموافقات اللازمة لتحويل ملكية ما يجده مفيدا الى المعهد . نجح لؤي بهذه المساعي نجاحا مذهلا , وكان في بعض الاحيان يحصل على خطوط انتاجية كاملة ياخذها الى المعهد ثم يقوم مع فريقه بأجراء التحويرات الضرورية عليها لتحويلها الى ورش تدريبية . وفي اقل من سنتين افتتح العديد من الورش والمختبرات في قسمه . وفي كل مرة يجري فيها افتتاح ورشة او مختبر جديد كان المعهد يقيم حفلا كبيرا يدعى اليه الوزير وغيره من المسؤولين للافتخار بما ينجز بالرغم من ظروف الحرب الصعبة , ولملاحظة التطور الذي يمضي به المعهد من ناحية اخرى . ذاع اسم لؤي في الاوساط ذات العلاقة وصار المسؤولين على بينة من نشاطه والجهود الاستثنائية التي يقوم بها لتطوير قسمه الدراسي .

وفي نطاق المناهج الدراسية وضع لؤي خطة جديدة لتغيير جميع المناهج والمفردات التي كانت تدرس بالقسم مستفيدا مما تعلمه ولاحظه بالخارج , واخذ يستحصل الموافقات لاعادة برمجة تلك المناهج واعادة تقسيم الساعات الدراسية اللازمة لتطبيقها مقلصا عدد كبير من الساعات التي كانت تذهب سدى في تدريس مناهج لا فائدة منها ولم تعد ضرورية . شكل هذا قفزة علمية جديدة لقسم لؤي , كما انه اراح الطلبة من ثقل كبير كان يضغط به عليهم لتعلم مهارات وفنون تقنية لم تعد موجودة ولا تستعمل في اي موقع صناعي . كانت دوافع لؤي في اجراء هذه التغييرات أتية من ملاحظته بان الكثير من المؤسسات الصناعية التي كان يزورها كانت تشكوا من ان خريجي المعهد يأتونها بعلوم قديمة وليس في جعبتهم غير مهارات بالية اصبحت غير موجودة . لذلك , واثناء الاجتماعات التي كانت تعقد عند وضع المناهج الدراسية الجديدة كان يستضيف مبعوثين من تلك المؤسسات لاستشارتهم بما يحتاجونه من مهارات وعلوم لكي يجري ادخالها في الخطط الجديدة والتركيز عليها . كما اتجه لؤي لتشجيع حركة تأليف الكتب العلمية المنهجية وفق المناهج الجديدة المعدة في القسم , وأخذ يشجع منتسبي القسم على قيامهم بالتأليف بدل اسلوب الرد والاملاء الذي كانوا يقومون به اثناء حصصهم الدراسية . كما وضع لؤي ضوابط تدريسية جديدة في القسم والزم كل مدرس بوضع خطة لكل درس يلقيه وراح يزور المدرسين خلال حصصهم ويطلع على الخطط التي يعدونها . اما في القبول فقد وسع لؤي خطة القبول في قسمه الدراسي وفتح تخصصات جديدة حتى اصبح نصف طلبة المعهد تقريبا يدرسون في قسم لؤي الدراسي . ومن ناحية شؤون الطلبة ورعايتهم كان لؤي يعقد اجتماعات ولقاءات مستمرة مع الطلبة , كما خصص ساعتين من وقته اليومي لمقابلة الطلبة وسماع مشاكلهم لغرض حلها . جعلت هذه الترتيبات لؤي محبوبا للغاية من قبل طلبة القسم وتكونت له شعبية كبيرة بين جموعهم .

يمكن القول بانه بعد حوالي سنتين من تولي لؤي مسؤولية رئاسة قسمه الدراسي تغير الحال رأسا على عقب واصبح قسمه في مقدمة اقسام المعهد واكثرها تنظيما وافضلها من الناحية العلمية والفنية وحتى من ناحية الانسجام والتوافق الحاصل بين افراده سواء كانوا منتسبين او طلبة . كما ان بعض منتسبي المعهد من الاقسام الدراسية الاخرى اخذوا يتقدمون بطلبات نقل الى قسم لؤي لما رأوا فيه من تطور واهتمام من ادارته بمنتسبيه وطلبته . لكن , عدا عن كل هذه النقاط التي تقع في الجانب الايجابي من تجربة لؤي , كانت هناك نقاط كثيرة اخرى تقع في الجانب السلبي منها , فالايام كانت تحمل في جعبتها الكثير مما كان ينتظر لؤي من مشاكل كاد بعضها يهدد حتى حياته .

– يتبع –
صورة
صورة العضو الشخصية
Wisam Alshalchi
رئيس الهيئة الادارية
رئيس الهيئة الادارية
 
مشاركات: 3790
اشترك في:
الخميس أغسطس 30, 2012 3:35 pm
مكان:
الاردن , الولايات المتحدة
  

Re: للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه

مشاركةالخميس يونيو 20, 2013 4:42 pm


(5)

الاخيرة


بالرغم من كل النجاحات التي حققها لؤي خلال السنتين الاولى من رئاسته لقسمه الدراسي والارتفاع الكبير الذي حصل في مكانته وشأنه الا ان الايام لم تبقى مبتسمة له . كان القانون يخول رئيس اي قسم دراسي بمفاتحة اي جهة رسمية بمستوى يوازي المعهد دون العودة الى العمادة بشرط ان لا يحمل ذلك المعهد اي تبعات مالية . واستنادا الى هذه الصلاحية راح لؤي يفاتح الجهات الرسمية بنفسه ويعقد الاجتماعات مع مسؤولي المؤسسات الاخرى ويفاوضهم بخصوص اي ترتيب فني فيه مصلحة للمعهد ولقسمه الدراسي . لم يكن لؤي يقصد من الاستخدام الواسع لهذه الصلاحيات غير تجاوز الروتين والاسراع بالوصول الى الغاية التي ينشدها وتحقيق اكبر فائدة ممكنة وباسرع وقت من دون التجاوز على سلطة او موقع احد . وكان في كل مرة يصل فيها الى نتيجة ايجابية ويحقق شيء ما فيه مكسب للمعهد او فائدة لقسمه يهرول الى العميد ليبشره بما توصل اليه ويعرض عليه المكتسبات التي ستتحقق للمعهد نتيجة لجهوده . كان العميد يفرح كثيرا بما يحققه لؤي ويشجعه ويدفعه على بذل المزيد منها . كما كان العميد في بداية كل اجتماع لمجلس المعهد يشيد بلؤي كثيرا ويثني على جهوده ويدعوا الاخرين الى حذو حذوه والاقتداء به . لم يخطر على بال العميد قط بان لؤي يتجاوز عليه بهذه الاجراءات , او انه يفكر بالتسلق على اكتافه وصولا الى غاية معينة لان جميع اجراءاته كانت ضمن الصلاحيات المخولة له قانونا ومن اجل فائدة المعهد , لكن الامر لم يستمر كذلك . كانت مشاعر الغيرة قد دبت في نفوس بعض زملائه من رؤساء الاقسام الاخرى لما كان يحققه من تطوير وانجازات مذهلة واصبحوا يكرهونه ويحنقون عليه وعلى ابداعاته وينزعجون من كثرة ما يشاد به سواء من قبل العمادة او الوزارة او المؤسسات الاخرى وحتى الفرقة الحزبية في المعهد , خصوصا وانه رشح بعد حوالي سنتين من تعيينه رئيسا لقسمه كأفضل رئيس قسم دراسي على مستوى الوزارة . لذلك اخذ بعض هؤلاء يكيدون للؤي ويدسون عليه الدسائس ويحاولون الايقاع به , ولم تكن هناك من وسيلة متاحة بأيديهم لترجمة حقدهم نحوه غير محاولة تغيير نظرة العميد تجاهه وجعله يسخط عليه . اخذ بعض هؤلاء يتقولون كثيرا على لؤي في مجالسهم وراحوا يشعرون عميد المعهد بانه يتجاوز عليه في كل شيء ويتصرف باستقلالية وكانه مدير دائرة مستقلة , وحتى انه اصبح معروفا في القطاعات الاخرى اكثر من عميد المعهد نفسه . وبالمزيد من التنحيش والضغط جعلوا العميد يشعر شيئا فشيئا بان لؤي اصبح خطرا عليه لانه أخذ يلفت الانظار اليه بقوة وقد لا يمر وقت طويل حتى تقوم الوزارة بتنصيبه عميدا للمعهد بدلا منه . وبالرغم من حب العميد للؤي واعجابه بما ينجزه الا انه كأي انسان يمكن ان يخضع بسهولة للتأثيرات , خصوصا اذا كانت قوية ومستمرة . لذلك , ومن كثرة ما اصبح يحشى في دماغه اخذت تظهر من عنده مواقف وتصرفات ليس فيها ود تجاه لؤي . ومع ان العميد لم يقم باي عمل يؤذي فيه لؤي , لكنه اصبح لا يرتاح له ولا يطيق تصرفاته خصوصا الاستقلالية التي يتصرف بها وراح يسحب منه الصلاحيات بالتدريج في محاولة لتطويقه . وبمرور الوقت زاد هذا الوضع حدة وسوء واخذت مواقف العميد تجاه لؤي تظهر عليها العصبية والتشنج , وعلامات الضيق منه ومن قسمه صارت تبدو واضحة عليه بمناسبة او بدون مناسبة . وبالمقابل أخذت الايجابيات والمنجزات الكبيرة تنسى وتطمس ولا تذكر , بينما اخذت السلبيات الصغيرة تكبر وتضخم . فمثلا , لو تأخر لؤي عن اجتماع مجلس المعهد لعدة دقائق كان العميد يعنفه بشدة وعلى مرأى من بقية اعضاء المجلس . واذا ارتكب اي منتسب في القسم هفوة او غلطة في اداء واجباته اصبحت الدنيا تقوم ولا تقعد وتشكل اللجان التحقيقية ويعاقب المتسبب في الخطأ الحاصل بشدة مبالغ بها . واذا زل اي طالب في قسم لؤي كانت توجه اليه اقصى العقوبات وكأن ذلك يحدث للانتقام من لؤي وقسمه وليس من الطالب نفسه . اما المقترحات والطلبات التي كان لؤي يقدمها فاصبحت تمضي بطريق واحد لا رجعة فيه , فكل ما كان يرفعه لؤي كان يذهب للحفظ ولا ينظر به . وفي الاجتماعات كان العميد لا يدع فرصة للؤي للتحدث او التقدم بأي طلب او مناقشة مقترح .

هذا من ناحية العمادة , اما من ناحية القسم فقد بدأت علائم التذمر من لؤي تظهر على بعض من منتسبي القسم . اول شيء حنق به هؤلاء على لؤي هو حرمانهم من الساعات التدريسية الاضافية التي كانوا يتمتعون بها بسبب تقليص عدد كبير منها اثناء حملة اعادة النظر بالمناهج . الامر الثاني هو ان لؤي كان يعتمد في كل شيء تقريبا على فريق العمل الذي شكله , لهذا كان افراد هذا الفريق يستأثرون بجميع المكافأت والتكريمات التي نقدمها العمادة لان لؤي كان يرشحهم باستمرار لها . وقد شكا بعض المتذمرين من هذا الحال للعميد , وحتى طلبوا اعادة النظر في تعيين لؤي رئيسا للقسم لانه منحاز الى فئة معينة في القسم دون بقية المنتسبين . استغل عميد المعهد هذه الشكاوي وعقد اجتماع موسع مع منتسبي قسم لؤي وطلب منهم التصويت على رئيس قسم جديد يختارونه بانفسهم . وكم كانت دهشة العميد كبيرة حين انتخب لؤي كرئيس للقسم بأغلبية ساحقة . اصبح هذا الفخ الذي نصب للؤي شارة تكريم تعلق على صدره , لانه ومن دون جميع رؤساء الاقسام في المعهد اصبح هو الوحيد بينهم رئيسا منتخبا وليس معينا , واصبح ذلك يذكر في كل الاوساط والمحافل .

لم تكن هذه هي الاشياء السلبية الوحيدة التي حصلت مع لؤي بل كان هناك امر أخر , وربما كان الاسوأ بينها . فبعد سنتين من عمله كرئيس قسم توقفت الحرب وتسرح منتسبي القسم ممن كانوا في الخدمة العسكرية وعادوا للعمل في المعهد , وكان من بينهم موظفين بدرجة عضو في الحزب . وبعد عودة هؤلاء الى القسم واطلاعهم على الحال الذي اصبح عليه لم يعجبهم الوضع ابدا . فرئيس القسم ليس غير مجرد (مؤيد) في الحزب , كما كان هناك فريق عمل متنفذ يضطلع بمعظم الاعمال الرئيسية في القسم ويستحوذ على معظم المكافأت والتشكرات والتكريمات التي تمنحها العمادة . كما ان الدروس والمناهج تغيرت ولم تعد هناك ساعات عمل اضافية واصبح الدخل مقصورا على الراتب الفعلي . بدأت علامات الضيق والحنق تظهر على هؤلاء بعد التحاقهم بمدة واخذوا يضغطون العمادة والفرقة الحزبية لتغيير لؤي كرئيس قسم , او على الاقل اجباره على تغيير السياسات التي يتبعها وخلق ظروف جديدة ملائمة تجعلهم هم المتنفذين بالقسم . وكان من بين هؤلاء شخص اسمه (حيدر) هو صديق جدا للؤي لانه كان معه في نفس الكلية . وقد فرح لؤي بعودته كثيرا وقربه منه واصبح يستشيره في اغلب شؤون القسم ثقة منه به واعتزازا بصداقته . غير ان الامر لم يكن بالنسبة لحيدر كما كان للؤي لانه كان يشعر بانه احق منه برئاسة القسم لانه عضو في الحزب وشارك بالحرب طيلة سنواتها . وبينما كان لؤي يظهر الحب دائما لحيدر , كان حيدر يبطن الشر للؤي ولا يراعي حقوق الصداقة التي تربطهما ويخطط للاطاحة به والحلول محله . كان حيدر لا يظهر هذا علنا بل يتظاهر بالحب تجاه لؤي لكن ما في قلبه لم يكن غير مشاعر الحقد والحسد والغيرة . وبعد مدة اخذت قيادة الفرقة الحزبية تستدعي لؤي كل فترة وتحقق معه بناء على تقارير مرفوعة ضده بادعاءات مختلفة . لم يكن لؤي ضعيفا بحيث لا يستطيع الدفاع عن نفسه او عن معيته , بل كان يقف جسورا امام التهم التي يتهم بها ويفندها ويدحرها باستمرار ويحاجج المسؤولين بقوة مطالبا اياهم باظهار اي موقف اساء فيه لاحد او سبب ضرر للمصلحة العامة . كان يخرج في كل مرة منتصرا ويبطل دسائس ومكائد من يعادونه ويتأمرون عليه . لكن الحالة اخذت تتكرر كثيرا مما دفع لؤي للتحري عن الاشخاص الذين يكتبون التقارير عليه . وكما توقع لؤي كانت هذه التقارير من اعضاء الحزب في قسمه , لكن كم كانت دهشته كبيرة ومرة حين علم بان صديقه حيدر كان ايضا وراء بعض التقارير التي ترفع ضده . ليس هذا فقط , ففي احد الايام استدعى العميد لؤي وقال له :
- لؤي , انا اتعرض لضغوط شديدة وتأثيرات قوية من الفرقة الحزبية وبعض المسؤولين لتغييرك وتعيين شخص أخر بدلك
- وبعد
- ومع ان لدي بعض التحفظات على السياسة التي تتبعها لكني وتقديرا لما انجزته لقسمك والمعهد لم ارضخ لهذه الضغوط واقاومها بشدة
- وهل هناك شخص محدد يراد له ان يحل محلي
- أجل
- ومن هو
- حيدر
- حيدر ؟
- اجل . ولكي ارضي هؤلاء ساقوم اليوم بأصدار أمر أداري بتعينه معاونا لك
- انا لا امانع ابدا من هذا التعيين لان حيدر صديقي جدا , وانا نفسي كنت افكر بترشيحه لهذا المنصب
- انا متأكد بانه هو من يضغط بهذا الاتجاه لانه يذكر لي بالاسم مع كل مكالمة تردني . المهم , انا احببت ان اخبرك بذلك قبل ان يصدر هذا الامر لكي تعرف تدابيرك
- شكرا لك دكتور

صدم لؤي كثيرا مما سمعه , وكان لحد تلك اللحظة لم يصدق بان صديقه حيدر هو واحد ممن كانوا يرفعون التقارير ضده للفرقة الحزبية . لكن لم يجد امامه غير السكوت والصبر على ما يجري لان لم يكن بيده شيء يعمله أولا واحتراما للصداقة ثانيا . بعد تعيين حيدر معاونا للؤي اخذ يتدخل بكل شيء ويستفسر عن كل شيء يجري بالقسم وكان في بعض الاحيان يستخدم نفوذه الحزبي ويتصرف كانه هو رئيس القسم وليس لؤي . ومن المستجدات التي حصلت بعدها هي ان أستدعاءات العميد للؤي اخذت هذه المرة هي التي تتكرر , فبعد كل مدة كان العميد يستدعيه ليقول له لماذا فعلت كذا ولماذا قمت بكذا . ادرك لؤي بأن قناة جديدة على ما يبدو قد تكونت في القسم تضخ المعلومات الى غرفة العميد مباشرة , وان من ورائها حتما هو حيدر . لم يكن ما يتهم به لؤي غير توافه ليس فيها من مهم يمكن ان يضره الا في عقل من ينقلها , وكم كان يستسخفها ويضحك حين يخبر بها لانها كانت لا تعبر الا عن تفاهة من يخبر عنها . لكن كان لؤي قويا وقادرا على الدفاع عن نفسه وكان يخرج بعد كل مكيدة تكاد له وهو اقوى , لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة .

بعد سنتان مريرتان من العيش بهذه الاجواء دخل العراق فجأة بحرب جديدة حيث تقدمت قواته في دولة مجاورة . تغيرت الاوضاع رأسا على عقب وتحولت الاحوال من حالة سلم الى حالة حرب وبدأت مظاهر التعبئة العامة تظهر من جديد . ومرة اخرى عادت من جديد حمى تشكيل قواطع الجيش الشعبي لارسالها الى الدولة التي جرى احتلالها . وكغيرها من الفرق الحزبية قامت فرقة المعهد بتشكيل قاطع جيش شعبي واخذت تدربه وتعده للسفر الى تلك الدولة , ومن بين من اختيروا للالتحاق بهذا القاطع لؤي . كان لؤي يدرك بان من يكرهونه ويعادونه وجدوا فرصتهم للايقاع به عن هذا الطريق وكأن التاريخ اخذ يعيد نفسه مرة اخرى فيكرر ما حصل له قبل اربع سنوات . وبعد تفكير عميق بهذا الوضع قرر لؤي قرارا حاسما بعد ان اقتنع بان الدسائس والمؤامرات ضده لن تنتهي ولن تتوقف وان رضوخه المستمر لمثل هذه الحالات لن يغير من الوضع ابدا . صحيح ان الله كان ينجيه في كل مرة يحاك فيه شيء ضده ولكن الى متى سيستمر مثل هذا الحال , لذلك قرر ان يقف موقفا حازما هذه المرة ويرفض ما يؤمر به .

انقطع لؤي عن حضور التدريب دون سابق اشعار , فما كان من الفرقة الحزبية غير ان تستدعيه وتسأله عن السبب
- رفيق لؤي لقد انقطعت عن حضور مراحل تدريب قاطع الجيش الشعبي الذي نسبت اليه منذ عدة ايام , هل هذا صحيح ؟
سال احد مسؤولي الفرقة الحزبية لؤي الذي اجاب بدوره قائلا
- نعم
- هل من سبب منعك من ذلك ؟
- كلا
- اذن لماذا انقطعت اذن ؟ هل انت مريض ؟ او لديك عذر مقبول يمنعك من ذلك ؟
- كلا , لكن لدي بعض الظروف التي منعتني من ذلك
- وما هي ؟
- ظروف خاصة بي
- ولماذا ترفض الافصاح عنها
- لانها امور خاصة
- على كل , يمكنني اعفائك عن تغيبك السابق اذا التحقت على الفور بالقاطع والتدريب
- قلت لك لا استطيع الالتحاق بالقاطع
- اذن انت تعصي تنفيذ هذا الامر الحزبي
- كلا , انا لا اعصي احد بل لدي اسباب خاصة تحول دون التحاقي بهذا القاطع
- لا يقبل مثل هذا العذر وانا مضطر لان احيلك للتحقيق على اساس رفض الاوامر الحزبية

بعد حوالي اسبوع استدعي امين سر الفرقة الحزبية لؤي هذه المرة وقال له
- رفيق لؤي , لقد وردني أمر احالتك الى التحقيق لانك تمتنع عن الالتحاق بقاطع الجيش الشعبي الذي نسبت له , هل ما سمعته صحيح ؟
- نعم يا رفيقي
- لؤي , انك من افضل الاشخاص الموجودين في المعهد والفرقة الحزبية فلماذا تأخذ مثل هذا الموقف الذي قد يضرك كثيرا ؟
- لدي اسباب خاصة وقد يكون بعضها طبي
- هل تريدني ان احيلك الى لجنة طبية ؟
- كلا , لكني اعتذر لاني لا استطيع الالتحاق بهذا القاطع لاسباب خاصة بي
- لكن هذا تمرد على اوامر الحزب
- انا لا اتمرد على احد , فقط قلت بان لدي اسبابي التي تمنعني من ذلك
- هذا عذر غير مقبول , اما ان تصرح لي بما في نفسك وألا ساوقع اوراق احالتك للتحقيق , وهذا يمكن ان يعرضك لتبعات خطيرة
- رفيقي , انا لا اتمرد على الحزب ولا اعصي أوامر أحد لكن كما قلت لك لدي اسبابي الخاصة
- حسنا انت محال للتحقيق
- على كيفك

احيل لؤي الى التحقيق الحزبي وتشكلت لجنة خاصة للنظر في حالته , وخلال ذلك توقف من نفسه عن حضور الاجتماعات الحزبية بانتظار ما سيسفر عنه التحقيق معه . كان اكثر شخص يتابع هذه القضية باهتمام ويسأل عن ما يجري بصددها تفصيليا هو حيدر . كان لؤي على بينة بان حيدر سيكون المستفيد الاول من اي ضرر يقع عليه , لكنه لم يبالي بأي شيء لانه قرر مع نفسه قرارا لم يكن يريد التراجع عنه مهما كانت النتائج . فبعد كل الرضوخات التي قام بها خلال السنوات الماضية وكل التنازلات التي قدمها منذ ان عاد من بريطانيا , ومع كل المواقف التي وقفها خدمة لوطنه وعمله من أجل المصلحة العامة لم يلقى غير النكران والجحود والمؤامرات والدسائس . بدأ التحقيق مع لؤي لكنه توقف بعد فترة بسبب اشتداد الاوضاع السياسية والانشغال بما يجري خصوصا وان قاطع الجيش الشعبي لم يذهب اصلا بالمهمة التي أعد لها وجرى حله . بقي الحال هكذا لعدة اشهر دون ان يتخذ أي موقف من لؤي . وفجأة اندلعت العمليات الحربية في حرب شاملة شنت ضد العراق لاخراجه من الدولة التي احتلها . وخلال تلك العمليات توقف الدوام بالمعهد وتوقفت الدراسة . وفي احدى الليالي جاءت سيارة الى بيت لؤي , ودق شخص الباب
- مرحبا
- من ؟ حيدر ؟
- نعم يا لؤي انا حيدر
- اهلا , تفضل
- لا شكرا , لكنك مستدعى لقيادة الفرقة الحزبية في المعهد
- لماذا ؟
- لا اعرف
- وبهذه الساعة
- نعم يريدونك الان
- حسنا ساستبدل ملابسي واتي معك
- حسنا
غير لؤي ملابسه وذهب مع حيدر الذي كان يرتدي الزيتوني حاملا بيده رشاشة . وحين وصلوا الى هناك قاده حيدر الى احدى غرف ملجأ المعهد حيث كان فيها امين سر الفرقة الحزبية
- مرحبا
- اهلا لؤي كيف حالك
- بخير
- انت منقطع عنا منذ مدة طويلة ولم تأتي الينا منذ ان بدأت العمليات العسكرية
- وماذا تريدون مني
- نريدك ان تكون معنا فنحن جميعا متجمعين بهذا المكان وعلى اهبة الاستعداد للقيام باي عمل تريده منا القيادة
- لكني محال للتحقيق ومنقطع عن الحزب منذ مدة , هل نسيت ؟
- لا عليك من هذا ونحن نريدك من الان ان تكون معنا
- وماذا علي ان افعل ؟
- تبقى هنا وتمسك خفارات حزبية لحماية الفرقة
- اسف يا رفيقي
- ماذا تقصد ؟
- أنت نفسك احلتني للتحقيق وتطلب مني الان اكون معك هنا لحمايتك
- حمايتي ؟ لا انت لا تحميني بل تحمي الفرقة الحزبية
- وما هي الفرقة الحزبية ؟ هل هي هذا الملجأ ؟ بل انت تريد هنا اكبر عدد ممكن حولك لكي تشعر بالامان اكثر
- لا , هذا كلام غير صحيح
- بل صحيح , وانا اعتذر منك وساعود الان الى منزلي
- لكني يمكن ان أأمر باعتقالك
- لم اقم بشيء يبرر اعتقالي , كما انك لا تملك صفة رسمية تخولك الاعتقال
- انت مخطيء , ففي اوقات الحرب نحن نتمتع بكل الصلاحيات التي تخولنا بعمل اي شيء وقد تصل حتى للاعدام
- وهل يمكنك ان تعدمني لاني لم اتواجد لحمايتك
- يمكنني ان افعل ذلك بتهمة الخيانة
- خيانة من
- خيانة الدولة والحزب
- انا اكثر منك وطنية واحتراما للدولة والحزب ولا اخون ابدا وكل اعمالي ومواقفي السابقة تشهد لي بذلك
- لكنك غير متواجد معنا الان , وهذا يمكن ان يفسر بكل شيء بما في ذلك الخيانة
- وهل لديك دليل على خيانتي , الم تجلبني من بيتي . اذا كان الأدعاء بهذه السهولة فانا ايضا يمكن ان اقول عنك خائن لانك تقبع بهذا الجحر خائفا
- لقد زودتها كثيرا
- ولكي لا ازودها بعد اكثر اسمحلي ان اعود لبيتي . وبالمناسبة لا احتاج الى سيارة لكي تعيدني الى بيتي لاني ساعود مشيا على الاقدام في هذا الليل لاني لست جبانا مثلك

كان هذا واحد من اكبر المواقف الحدية التي وقفها لؤي في حياته , حتى انه تعجب من الشجاعة التي انزلها الله عليه لكي يتكلم بمثل هذه الطريقة مع امين سر الفرقة الحزبية . عاد لؤي الى داره وظل في الايام التالية يتوقع ان تأتي سيارة الى منزله في اي لحظة لاعتقاله , لكن ذلك لم يحدث . ومرت ايام الحرب وما تبعها من احداث قامت ضد الدولة دون حدوث اي شيء يتعلق بلؤي . وبعد فترة بدأ الدوام من جديد والتحق لؤي بمقر عمله كالمعتاد ممارسا واجباته وكأن شيئا لم يحصل . وبعد حوالي شهر استدعي لؤي الى فرع الحزب الذي ترتبط به الفرقة الحزبية للمعهد وبدأ التحقيق معه بناء على تهم وجهها اليه امين سر الفرقة من بينها الانقطاع عن الواجبات الحزبية والشك بأشتراكه بالعمليات التي حدثت ضد الدولة بعد الحرب بسبب غيابه عن الخفارات الحزبية , وهي تهمة خطيرة يمكن ان تصل عقوبتها للاعدام . وبعد جلسات تحقيقية متعددة وسماع اقوال الكثير من الشهود وتقديم لؤي لمستندات طبية تؤكد اصابته ببعض الامراض المزمنة لم يثبت اي شيء عليه يدينه وصدر امر بالاكتفاء بفصله من الحزب كعقوبة لعدم التحاقه بقاطع الجيش الشعبي .

حمد لؤي الله كثيرا لان الامر انتهى عند هذا الحد , خصوصا وانه لم يعد راغبا بالاستمرار في الحزب بعد ان لم يأتيه من ذلك سوى المضرة . وبعد اقل من اسبوع صدر أمران اداريان بالمعهد , الاول يقضي باعفائه من رئاسة القسم وتعيين حيدر بدلا منه , والثاني اعفائه من مهنة التدريس وتحويله الى وظيفة ادارية في نفس المعهد . لم يتفاجيء لؤي بهذين الامرين بل كان يتوقعهما بعد صدور امر فصله من الحزب . ذهب لؤي الى العميد ليستفسر عن مصيره بالمعهد بعد اعفائه من مهنة التدريس . قال العميد للؤي
- انا اسف يا لؤي فقد طلبت مني الفرقة الحزبية بالمعهد ان اقوم بأصدار هذين الامرين الادارين لأنك فصلت من الحزب ولم يعد بالامكان استمرارك بموقعك او بعملك كمدرس
- لكن اين ساعمل بعد اعفائي من التدريس
- سيقوم مدير الادارة بالاتصال بك لتكليفك باحد الاعمال الادارية
- وهل هو سيصبح مسؤولي المباشر
- نعم
- حسنا ساتصل به واستفسر منه
- بالتوفيق

اتصل لؤي بمدير الادارة الذي كان نفسه بطل تجنيده بقاطع الجيش الشعبي قبل عدة سنوات , وواحدا من الذين حقدوا عليه . قال لؤي لمدير الادارة الي كان كما يبدوا مشتفيا بما حصل للؤي
- مرحبا استاذ
- اهلا لؤي
- قال لي العميد بانك الان اصبحت مديري وستكلفني بعمل جديد سيناط بي
- نعم ستنسب الى مخازن المعهد
- المخازن ؟
- نعم
- هل ساصبح مدير المخازن ؟
- هههههه . لالا , فنحن لدينا مدير مخازن ولا ننوي استبداله
- وماذا ساكون هناك اذن ؟
- موظف عادي
- وما هو العمل الذي ساقوم به
- سيخبرك مدير المخازن عن عملك هناك
- حسنا
- اسف , فهذا كل ما لدينا حاليا
- شكرا لك
- ممنون , لكن عليك ان تلتحق بعملك الجديد ابتداء من صباح الغد
- حسنا

التحق لؤي بالمخازن وكان مديرها احد الرفاق الحزبيين الحاقدين على لؤي وقال له
- اهلا لؤي , كم انا اسف لما حصل لك
- لا تهتم فانا استحق كل ما جرى لي
- لماذا ؟
- لاني لم اسمع نصيحة من كان يريد مصلحتي في يوم من الايام
- على كل , اهلا بك معنا
- شكرا لك , واين سأجلس ؟
- ههههههه . لا تتوقع ان يكون لك مكتب وكرسي هنا
- ليس مهم فانا استطيع الجلوس في اي مكان , لكن ماذا سيكون عملي ؟ا
- أي شيء
- ماذا تقصد ؟
- القيام بجرودات , حمل الاغراض , ترتيب المواد
- حمل الاغراض
- لا تخشى شيئا فانا لن اكلفك بحمل اغراض ثقيلة
- شكرا لعطفك
- على كل , تستطيع ان تجلس هناك على ذلك الصندوق
- لطيف , شكرا لك على هذا العطف ايضا 
- هههههه

التحق لؤي بهذا العمل الجديد وكان كل من يراه يأسف على ما اصاب هذه الكفاءة وكيف قابلتها الدولة والمسؤولين بها بهذا الجزاء بعد كل تلك الخدمات التي قدمها هذا الرجل المخلص . رضي لؤي بمصيره وحمد الله على كل شيء , فما حصل هو خير من الاعدام في كل الاحوال . كان قانون الاحالة الى الجهات الامنية في حالة ترك العمل لا زال ساريا , لذلك لم يكن امام لؤي غير الرضوخ والاستجابة للامر الواقع الذي اصبح فيه الى حين .

ظل لؤي بهذا العمل لعام كامل الى ان بدأت الدولة بتخفيف الاوضاع المشددة وسمحت للراغبين بالاستقالة من وظائفهم بترويج الطلبات لهذا الغرض فتقدم على الفور بطلب استقالة الى العميد . ظل الطلب في غرفة العميد لاسابيع دون ظهور نتيجة . كان لؤي يقف يوميا في باب غرفة العميد لساعات منتظرا ان يحصل على نتيجة لطلبه , وكثيرا ما كان يرى العميد وهو داخل او خارج ويسأله عن نتيجة طلبه فلا يجيبه . وفي احد الايام قال له احد اصدقائه
- لؤي , انت تعرف باننا في حالة حصار , وقد شاعت الرشوة والمحسوبية بالدولة بشكل منقطع النظير
- ماذا تعني ؟
- اعني بان العميد ربما لم يمشي طلبك بالاستقالة بانتظار ان تقدم له شيء مقابل ذلك
- وهل هذا معقول . ثم ماذا يمكنني ان اقدم له
- مال , او أي شيء يحبه . الا تعرف شيء ما يموت عليه العميد ؟
- نعم تذكرت الان , فالعميد سكير وهو معتاد على شرب افخر انواع الويسكي مما اصبح ثمنه غاليا جدا في وقتنا هذا
- عال , قم بشراء صندوق ويسكي من النوع الذي يحبه وقدمه له كهدية
- ولكن كيف ؟
- تحدث مع خادمه الشخصي واجعله ياخذ الصندوق من سيارتك الى سيارته وقل له ان يخبر العميد بانه هدية منك . لا تنسى بان تغلف الصندوق جيدا لكي لا يتعرف عليه احد
- لكن سعر صندوق ويسكي كبير جدا هذه الايام وربما لن استطيع تدبيره
- اذا كنت تريد ان تبقى حمال انسى الموضوع , واذا كنت تريد ان تخلص من الوضع الذي انت فيه قم بتدبير المبلغ واشتري صندوق الويسكي
- حسنا

استدان لؤي من احد اقربائه مبلغ من المال وقام بشراء صندوق الويسكي وفعل بالضبط ما اشاره عليه صديقه . ولم يمر سوى يوم واحد حتى خرجت العريضة من غرفة العميد وعليها موافقته . وخلال اقل من اسبوع اكمل لؤي جميع اجراءات الاستقالة وسلم على زملائه بالمعهد وغادره كما دخله قبل حوالي ست سنوات , وبذلك تحققت نبوءة استاذ لؤي حين قال له (اذهب ايها الغبي وسترى خطأ قرارك) . فبعد كل تلك المدة التي قضاها منذ عودته من بريطانيا هاهو يعود مرة اخرى الى مربع الصفر , بلا وظيفة وبلا موقع وبلا اي ضمانة تقيه من صعوبات وتقلبات الحياة . ومع ذلك , فقد حمد لؤي الله كثيرا على كل حال ولم يبتأس اوييأس ابدا وقرر ان يترك الماضي خلفه ولا يتاسف عليه ابدا متفائلا بالمستقبل ومؤمنا بان الله لن يتخلى عنه وسيعضوه عن ما ذهب بأفضل منه , وهذا ما حصل بالضبط .



- تمت -
صورة
صورة العضو الشخصية
Wisam Alshalchi
رئيس الهيئة الادارية
رئيس الهيئة الادارية
 
مشاركات: 3790
اشترك في:
الخميس أغسطس 30, 2012 3:35 pm
مكان:
الاردن , الولايات المتحدة
  

Re: للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه

مشاركةالخميس يونيو 20, 2013 5:56 pm


روعة يا أستاذ وسام وقد تابعت القصة من البداية ولم أشأ أن أضع رداً حتى لا أقطع تسلسل الأحداث والأجمل هو التشويق طيلة هذه المدة
والإشارة الى أعداء النجاح الذين باضوا وأفرخوا في بلادنا وقانا الله وإياكم منهم وما أثر في نفسي بطل القصة فإسمه لؤي كإسمي
في انتظار قصص أخرى يا أبو زياد
مع شكري وتحياتي

flower
Do for Allah Allah Will Do for You
إفعل الصواب دائما، فهذا سيُغْضِب بعضهم، و سيثُير إعجاب بقيتهم
لؤي الصايم
flower
صورة العضو الشخصية
Loaie Al-Sayem
عضو الهيئة الادارية
عضو الهيئة الادارية
 
مشاركات: 5296
اشترك في:
الأحد فبراير 03, 2013 7:50 pm
مكان:
عربي الهوى مصري المُقَام
  

Re: للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه

مشاركةالخميس يونيو 20, 2013 10:21 pm



هذا موضوع اكثر من رائع ويفتح جروح قديمة لم تلتئم بعد ، وقد يكون هذا هو حال العشرات ان لم يكن المئات والآلاف من ابناء العراق. انا ايضاً لدي قصة قد انشرها قريباً ان شاء الله
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1454
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: للنجاح ثمن باهظ غالبا ما يجب دفعه

مشاركةالجمعة يونيو 21, 2013 4:16 pm


قصة جميلة ومعبرة وتحكي قصة مئات العراقيين ممن غبن حقهم بسبب الولاء والدرجة الحزبية، لقد صادفت اناساً كثر في مجال عملي في العراق ممن عانوا الامرين من قواطع الجيش الشعبي وخفارات المنظمات الحزبية والملاحقات للانتماء للحزب القائد انذاك، من سبيل الطرفة اروي لكم ما كنت اراه يوميا من جارنا وكيف كان يتنكر بطرق غريبة للالتفاف على مطارادات الرفاق الحزبيين في المنطقة من اجل عدم الذهاب في هذه القواطع وخاصة انه يعاني من سوفان الركبة ولديه تقاريره الطبية التي تثبت بأنه لايسمح له بممارسة التمارين الرياضية وكيف بالك بالتدريب العسكري وفوق كل ذلك عمره كان قد تجاوز حد التجنيد ولكن نرجع الى طرق التنكر وهو مايهم في الموضوع، مرة اشترى عكازات طبية وكان يرتدي معها لباس عربي كامل ويلثم وجهه بحجة انه شيخ كبير ومرة وهذه المضحكة جدا حيث كانت مفرزة من الحزب تجند المواطنين للقواطع العسكرية وأوقفوه وهنا كان الامر المضحك حيث قال لهم انه ليس هو وهو تؤام مماثل وانه من التوائم المماثلة ومن حسن حظه انهم لم يطلبوا اوراقه الثبوتية.. وكثير من المواقف الطريفة المبكية في نفس الوقت والتي تدل على ضجر المواطنين من الحرب وخاصة ان الحرب اخذت وقتا طويلا استنزف كثيرا من الارواح والاموال.. ندعوا من الله ان يبعد عن بلدنا العراق وسائر البلدان العربية خطر الحروب والانقسامات انه السميع المجيب.
وَمَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا.
صورة العضو الشخصية
Mohammed Al-Ameri
- عضو الهيئة الادارية -
- عضو الهيئة الادارية -
 
مشاركات: 1891
اشترك في:
الأربعاء أكتوبر 31, 2012 11:24 pm
مكان:
العراق-السويد
  


العودة إلى القصة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر