منتدى أيامنا • مشاهدة الموضوع - تجربتي مع مدينة هيت
      مرحبا بك عزيزي في منتدى أيامنا ، ندعوك إلى التسجيل في الموقع ، التسجيل مجاني و لن يأخذ من وقتك إلا دقائق قليلة . للتسجيل اضغط هنا
   

تجربتي مع مدينة هيت

جميع انواع المقالات الثقافية والفكرية

المشرف: الهيئة الادارية

تجربتي مع مدينة هيت

مشاركةالجمعة نوفمبر 07, 2014 10:03 pm


 
تجربتي مع مدينة هيت

الأخ العزيز الأستاذ وسام الشالجي

الأخوات والأخوة أعضاء الهيئة الادارية وفرق الأشراف

الأعضاء الكرام

بمناسبة الاحداث المؤلمة والجرائم البشعة التي تتعرض لها مدينة هيت  وعشيرة ألبو نمر الباسلة  ، ارتأيت ان أخص منتدانا الحبيب بنشر مختطفات من مذكراتي التي انا بصدد كتابتها وفيها فصل عن تجربتي مع محافظة الأنبار (1973 – 1978). هذا الفصل هو الجزء الوحيد الذي بنيتي نشره اعراباً عن حبي وامتناني لهذه المحافظة التي احتضنتني ورعتني في فترة كانت من احلك وأصعب فترات حياتي ، اما باقي مذكراتي (ذكريات عراقي في العراق وفي فرنسا ) والتي لم انتهي بعد من كتابتها فهي ليست للنشر وإنما سيختصر توزيعها الى الاهل والأقرباء والأصدقاء.
اليوم اكتب لكم وعلى عجل مقتطفات من الجزء المخصص لمدينة هيت (دون تنقيح من مختص في اللغة العربية).

 مقدمة لا بد منها

في اوائل عام 1973 تم نقل خدماتي من وزارة التعليم العالي الى وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي. اي ابعدت من جامعة بغداد حيث كنت عضو هيئة تدريس بدرجة معيد على ملاك كلية طب بغداد ومنسب الى كلية الطب البيطري في ابو غريب لتدريس المادة العملية لعلم الأنسجة والأجنة لأكثر من ثلاث سنوات. كان النقل صادر من "مكتب امانة سر قيادة الثورة" وبتوقيع النائب صدام حسين ، وهذا بحد ذاته جعل معظم الزملاء والأصدقاء ينفضون من حولي ويتجنبون لقائي في اروقة الكلية او حتى خارجها. لم اعلم لحد الان الاسباب الحقيقة التي ادت الى نقلي ولكنه تم في فترة تم فيها تخليص الجامعة من عناصر قيل انها تحمل الفكر البرجوازي وهذا لا ينطبق علي فقد كنت في ذلك الوقت غير منتمي لأي حزب او فئة وان كان لي ماضي سياسي يساري قديم (افتخر به) بقي يلاحقني طيلة وجودي في العراق اي الى حد عام 1981 العام الذي غادرت فيه وطني دون رجعة. اضف الى ذلك ان بعض صفاتي السلبية وغير الملائمة لبعض الطلبة قد تكون لعبت دوراً في نقلي ، حيث كنت جدياً وصريحاً اكثر من اللازم ، في وقت كان فيه رئيس الاتحاد الوطني للطلبة هو محمود شقيق ناظم كَزار. كان محمود وشلة من الكسالى حوله تحاول الغش اثناء الامتحانات وعندما اكون مراقباً افرق بينهم وامنعهم من ذلك بكل الوسائل المتاحة لي. في احدا المرات دخل محمود على استاذ مصري كبير في السن لتأدية امتحان شفهي وقبل ان يسأله الاستاذ اسقط محمود مسدسه من حزامه الى الارض وتظاهر بأنه لم يكن متعمداَ فأجابه الاستاذ المصري خائفاً "خلاص يا ابني انت جاوبت على كل الأسئلة ".
 
المهم ان وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي احالت ملفي الى مديرية البيطرة العامة لاتخاذ اللازم. زرت المدير العام د. نجيب ياسين عبد الواحد في مكتبه فقال لي انه سيعاملني كمبتدأ و كخريج جديد وقرر ان يرسلني الى مركز محافظة الأنبار لقضاء فترة تطبيقية مدتها ثلاثة اشهر ثم اتولى بعد ذلك مسئولية المستوصف البيطري في قضاء هيت. ورفض ان ينسبني الى مديرية قسم المختبرات والبحوث الطبية البيطرية في ابو غريب والتي تتناسب وإمكانياتي العلمية مما يسمح لي ايضاَ البقاء في  بغداد. والحقيقة ان دكتور نجيب بتصرفه هذا اراد معاقبتي رغم ان كتاب نقلي الرسمي لا يعتبر عقوبة وإنما مجرد نقل خدمات. وزيادة في التنكيل فانه قرر ان يرسلني الى منطقة نائية لا اعرفها ولم يسبق لي زيارتها.
 وبسبب ضيق افقه ( رغم كونه من مواليد تلك المحافظة وبالذات من المدينة الجميلة راوة ) فقد تصور انني سأخضع في تلك المحافظة لمراقبة سكانها التي سيزودونه بالتقارير عني. وقد نسى او تناسى ، وانا بدوري لم أكن أعلم او أعرف عن تلك المحافظة في ذلك الحين الشيء الكثير ، اقول ان د.نجيب ياسين قد نسى ان لتلك المحافظة تقاليد وشعائر متعارف عليها بين ابناء تلك المحافظة الكبيرة وجلهم ابناء عشائر معروفة في الكرم والشهامة والخلق العظيم. وهم يعتبرون ان كل من يأتيهم من خارج المحافظة هو ضيف لديهم يكرمونه ويعزونه ما دام هذا الشخص يحترم تقاليدهم ويراعي عاداتهم وأعرافهم.

والحقيقة ، وأقولها صادقاً، انني عندما جئت الى المحافظة وكانت تلك زيارتي الأولى لها كنت اشعر في البداية بالغربة والحذر وكنت متوجساً بعض الشيء ولكن خشيتي سرعان ما زالت. فقد تعرفت على الناس عن قرب واكتشفت اصالتهم وعاداتهم العربية العريقة وانسجمت معهم وأحببتهم من اعماق قلبي. فهم قد أغرقوني بمودتهم وتعاطفهم وصداقتهم. وقد زرت لاحقاً كل الأقضية والنواحي والقصبات دون استثناء وكذلك الصحراء الغربية المترامية الاطراف فأحببت هذه المحافظة وعشقت الصحراء وأبارها الارتوازية ذات الماء الصالح للشرب وعشقت مدينة هيت ونواعيرها العريقة ورائحة الكبريت التي تنبع من عيونها ، وكذلك أحببت مدينة الفلوجة وبساتينها وحقول دواجنها التي زرتها حقلاً حقلاً. لقد دخلت الأنبار في قلبي وتغلغلت في كياني واصبحت من أقرب المحافظات الى نفسي. وسأحدثكم لاحقاً الكثير عن هذه المحافظة التي هي درة العراق والتي تتمتع بصفات وميزات فريدة سواء كان في مواردها او موقعها او صحرائها . لقد بقيت في مركز المحافظة في المرة الاولى ثلاثة اشهر ذهبت بعدها الى هيت حيث بقيت مسئولا عن المستوصف البيطري لمدة عامين وبعد ان اكملت دراستي العليا في بغداد (كما سأذكره لاحقاً) عدت من جديد الى مدينة الرمادي لأكون مسئولا عن المختبر الملحق بالمستشفى البيطري. ولقد قدمت لمحافظة الأنبار بعض البحوث كان اهمها بحثين هما في الواقع خير ما قدمته طيلة حياتي من بحوث ميدانية في العراق اولها كان عن حقول الدواجن في المحافظة وثانيها عن الخدمات البيطرية في الصحراء الغربية.
 
في قضاء هيت

بعد اتمامي فترة الثلاثة شهور التطبيقية في مدينة الرمادي ، كنت خلالها اتنقل يومياً بين بغداد والرمادي ، توجهت الى مدينة هيت حيث تسلمت مسئولية المستوصف البيطري. كان المستوصف يضم موظف صحي  ومضمد وعاملين   وحارس البناية  ثم انضم لاحقاً سائق سيارة المستوصف. كان جميع هؤلاء بمثابة أخوة واحباء بالنسبة لي فقد كانوا مثالاً للإخلاص والامانة والتفاني في العمل واحببتهم جميعاً . وشكلنا فريق عمل متجانس لم تتخلله مشاكل تستحق الذكر. وفي اول يوم  تعرفت على موظفي المستوصف الذين اعلموني أن   قائمقام قضاء هيت الأستاذ عبد الواحد الخربيط (ابو علي) لم يكن منسجماً او متعاوناً مع الطبيب البيطري السابق عادل كَعيد العاني. وبحكم عملي الجديد الذي يتطلب مني التعرف والالتقاء بوجوه المدينة فقد توجهت للقاء القائمقام الذي استقبلني بالترحاب وقدم لي الشاي. وبعد كلمات المجاملة صارحته بما سمعته من موظفي المستوصف. فاقسم لي الأستاذ ابو علي بان خلافه مع الطبيب البيطري السابق فنياً وادارياً ولا يتعلق بصلب عمل المستوصف وانه كقائمقام سيقدم لي كل التسهيلات الممكنة من اجل انجاح مهمتي. وقد قام الرجل بتحقيق ذلك ، فقد قدم الدعم لي وتعاون معي الى اقصى حد من اجل تقديم افضل الخدمات البيطرية لقضاء هيت وقصباتها. وكذلك الأمر مع القائمقام الذي جاء بعده . وخلال فترة عملي في هيت انظم لنا بعض الطلبة لغرض التطبيق وكانوا ايضاً مثالاً للأخلاق الحميدة وكونت معهم علاقات طيبة.
واكرر هنا انني أحببت مدينة هيت بشكل قد لا يصدق. احببت اهاليها الذين يتمتعون بطيبة نابعة من الأعماق (اي انهم جبلوا على ذلك وان طينتهم طيبة) ، واحببت نواعير المدينة المقامة على نهر الفرات الذي يخترق اراضيها ، وأحببت بساتينها وعرائش العنب والتين ، واحببت عيون الكبريت ورائحته العبقة... احببت هيت الى درجة ان أمنيتي كانت ولا زالت ان ادفن فيها بعد موتي. هذه حقائق اذكرها للتاريخ وان من يذكرني او يتذكرني من الأحياء من ابناء هيت قد يفهموا ما أقوله خاصة وانا لست مولوداً لا في هيت ولا في في محافظة الانبار.
 
تجربتي مع الأستاذ عبد الواحد الخربيط قائمقام قضاء هيت

ما اذكره هنا هو ليس ضرباً من الخيال وانما الحقيقة بعينها التي اكاد ان اتذكرها واستذكرها يومياً بأعجاب وبعرفان للجميل. وما أقوله هنا هو من وجهة نظري وبقد ما يتعلق الأمر بي شخصياً من خلال تجربتي مع تلك الشخصيات التي سأتحدث عنها. لقد سبق وذكرت انني نقلت من بغداد ونفيت الى محافظة الانبار ، وكنت غالبا ما اتنقل بين بغداد والرمادي او بغداد وهيت. وكنت استخدم باص خاص من بغداد الى الرمادي وكان يتوقف في بعض الأحيان في الطريق لنقل المسافرين فتعرفت على شاب  لطيف المعشر ، عريف في الجيش ، يصعد الى الباص من احدى القرى للذهاب الى معسكر الحبانية وكان يجلس بجانبي . وقد عرف بحكاية نقلي دون الدخول بالتفاصيل وعلم بتعلقي بمدينتي بغداد ، فقال لي في احدى المرات لماذا لا تزور عبد الواحد الخربيط في ديوانه حيث يستقبل الضيوف كل يوم جمعة وتشرح له موضوعك خاصة ان معرفته بك استمرت 6 اشهر كاملة  عندما كان قائمقام هيت ؟ (انتقل الأستاذ عبد الواحد الى مقر محافظة الأنبار بعد ستة اشهر من وجودي في القضاء). وألح علي اكثر من مرة في هذا الموضوع واقترح علي المجيء معي (علمت بعدئذ انه ينتمي الى عشيرة آل خربيط). واتفقنا على موعد محدد وذهبنا سوية في احدى الجمع الى ديوان الأستاذ عبد الواحد الخربيط العامر بالزوار. استقبلنا الرجل بالترحاب وأجلسنا على اريكة (تخت) ، وكنت في الوسط وعلى يميني الصديق العريف وعلى يساري مضيفنا . وبعد الانتهاء من شرب القهوة او الشاي سألني عن  حاجتي فشرحت له بعض تفاصيل نقلي وانني ارغب في العودة الى بغداد والتمتع بإجازة دراسية لغرض الحصول على شهادة الماجستير من جامعة بغداد. كان الرجل يستمع الى حكايتي بكل عناية ولم يوجه لي أي سؤال شخصي ولا حتى عن ميولي واتجاهاتي السياسية. واثناء المحادثة جاء ابن شقيقته على ما أذكر وهمس له ان المحافظ على الخط يرغب في التحدث معه ، ولشدة دهشتي أشار له بيده بعلامة الرفض ورجاني ان استمر في الحديث. وبعد الانتهاء من حديثي قال لي انه لا يستطيع القيام بأي شيء هذا اليوم  حيث الدوائر معطلة وطلب مني القدوم غداً صباحاً الى مقر عمله ، ثم ودعني الرجل بعد ان رافقني الى الباب.

جئت في اليوم التالي الى مقر عمله في مدينة الرمادي وبعد الترحيب بي وتقديم الشاي ، رفع سماعة التلفون واتصل بمدير البيطرة  العام الدكتور نجيب ياسين عبد الواحد وبعد ان سلم عليه و"شتمه" ، كما هي العادة بين الأصدقاء والمعارف ، حدثه عن موضوعي. في البداية حاول دكتور نجيب  المراوغة الا ان عبد الواحد الخربيط اصر على تبني موضوعي ، عندئذ أراد دكتور نجيب إخافة محدثه بالقول انني منقول بقرار من مكتب امانة سر قيادة الثورة. فما كان من الرجل الفاضل عبد الواحد الخربيط الا ان يكيل له "الشتائم" من جديد وقال له : ان كلامك مرفوض فهل  بذمة دكتور نعمان دم ؟ هل هو متهم بجريمة قتل؟. حينئذ اسقط بيد د.نجيب  وطلب رؤيتي. وبعد ان أغلق سماعة التلفون التفت عبد الواحد الخربيط  نحوي  وقال لي اذهب لرؤية نجيب الراوي وسينفذ طلباتك. وبالفعل عندما دخلت الى مكتب المدير العام بادرني بالسؤال عن الذي اريده. فقلت له إجازة دراسية في جامعة بغداد ونفذ رغبتي على الفور ، مما سمح لي العودة الى بغداد وإكمال دراستي العليا. والآن هنا في فرنسا عندما استذكر تلك الفترة اشعر انني كنت محظوظاً عندما ارسلني د. نجيب الى مدينة هيت.
 
تجربتي مع الشيخ عناد معجل نجرس الكَعود رئيس عشيرة البو نمر

بعد فترة قليلة من مجيئي الى مدينة هيت التقيت لأول مرة المرحوم الشيخ عناد عندما جاء الى مكتبي في المستوصف البيطري. كان الرجل انيقاً..بشوشاً ..متواضعاً..بهي الطلعة.. مهيب المحيى. وبعد التعارف حدثني عن سبب زيارته حيث ان أغنامه تعاني من طفيليات خارجية (القراد) والعلاج هو تغطيس الحيوانات بوجود مضاد للطفيليات. ولم يكن في المستوصف الكمية المناسبة مع عدد الحيوانات اللازم علاجها وطلبت منه الصبر يوم او يومين لحين توفير الكمية اللازمة من المستشفى الرئيسي في المحافظة. فقال لي ان لديه نية بالسفر الى بغداد وسيجلب لي الكمية اللازمة من الدواء من دكتور نجيب الراوي المدير العام الذي يعرفه جيداً. اجبته ان ذلك قد يحرجني ويعطي المدير العام ذريعة للنيل مني. أجابني الرجل اذاً في هذه الحالة لن اذهب الى نجيب ( وأضاف ، ربما، من باب المجاملة ) حتى وان ماتت الأغنام فهي فدوه لك. وهذه الجملة كنت قد سمعتها ايضاَ من أصحاب أغنام في مدينة الرمادي في مناسبة سأذكرها في الجزء المخصص لمحافظة الانبار.  أرسلت سيارة المستوصف الى مركز المحافظة لجلب العلاج وتم تغطيس أغنام الشيخ عناد في اليوم التالي وتناولنا الغداء في ديوانه العامر. ان ما جرى بيني وبين الشيخ الجليل جعلني ادرك انه رجل شهم وغيور وكريم وتربى في ظل عائلة فاضلة وكريمة شأن معظم شيوخ العشائر. وحمدت ربي على التعرف على مثل هذا الرجل ذو الخلق العظيم.

التقيت بعد ذلك مع الشيخ عناد عدة مرات ، ومنها مرتين او ثلاثة في مدينة الرمادي بحضور بعض وجوه المدينة المعروفين عند مكتب رئيس المجلس الزراعي للمحافظة. وفي كل مرة عنما يدخل الرجل ويسلم يقف له الحضور احتراماً ويشير كل واحد منهم الى الشيخ كي يجلس بجانبه بعد ان يخلوا له مكاناً للجلوس. وكان في كل مرة من تلك المرات يتوجه نحوي للجلوس بقربي ويجاملني ببعض الكلمات. لقد سررت لذلك كثيراً وحاولت ان افسر سر هذا الاختيار ومبادرته بالجلوس بجانبي وليس بجانب خيرة وجوه المدينة التي يعرفها جيداً وتربطه بها علاقات حميمة . وبسبب صغر سني وقلة معرفتي بالعادات والطبائع العشائرية لم أتمكن من معرفة السبب الحقيقي الا بعد فترة وبمساعدة بعض العارفين بالأمور. والحقيقة هي ان بعض الحاضرين لم يخفي ارتياحه من تلك المبادرة. نعم لقد ادركت او في الحقيقة استنتجت السبب الحقيقي من تلك المبادرة. فالرجل أراد ان يقول ان دكتور نعمان هو ضيفنا وهو ليس وحيداً وكانت إشارة الى الجميع في ان عشيرة البو نمر ترحب بي ويحث الاخرين حذو حذوها.
 
قد يتساءل البعض عن السبب الذي جعل الأستاذ عبد الواحد الخربيط والشيخ عناد معجل الكَعود التعامل معي بهذه الطريقة  ، والجواب على السؤال ليس بالصعب. اذكر لكم المثل التالي :

كان السيد خليفة العلواني يرافقني في معظم تنقلاتي في مدن محافظة الانبار وكان لطيف المعشر وربطتني به علاقة الفة وصداقة ، وكان يحدثني عن حكايات كثيرة مستمدة من الواقع بحكم عمله كسائق في المستشفى البيطري لمركز المحافظة. حدثني عن حادثة وقعت قبل مجيئي الى المحافظة بفترة ليست بالقصيرة. وخلاصة الحكاية هي عن طبيب بيطري عوقب من قبل المدير العام د.نجيب ياسين ونقل من احدى المحافظات الجنوبية الى قضاء حديثة التابع الى محافظة الأنبار. وكان هذا الأخير يتحين الفرصة من أجل الإيقاع بالطبيب البيطري الجديد لقضاء حديثة الى ان حانت الفرصة بسبب نميمة ووشاية مفتعلة من احد الأشخاص (ليس من المنطقة). فقرر الدكتور نجيب المجيئ فوراً الى المحافظة لمحاسبة الطبيب البيطري ومعاقبته من جديد. وعندما وصل الى المستشفى المركزي في الانبار طلب من مدير المستشفى مرافقته الى قضاء حديثة بسيارته على ان تتبعه سيارة مدير المستشفى التي يقودها السائق خليفة العلواني. يقول السيد خليفة العلواني : كنت اتبع سيارة المدير العام وانا اتحرق شوقاً وافكر بطريقة تمكنني من ان أصل قبلهم الى مدينة حديثة ولو لمدة عشرة دقائق كي اخبر الطبيب بنية المدير العام . ثم حانت الفرصة عندما وصلنا الى قضاء هيت حيث قرر المدير العام ان يعرج الى المدينة و تفقد المستوصف هناك. عندئذ أغمضت عيني وغضضت النظر عن انحراف سيارتهم الى المدينة واستمريت في قيادة السيارة وبسرعة الى حديثة. وعندما سائلني المدير العام ومديري بعدئذ قلت لهم انني تصورت انني فقدت أثرهم و انهم في الطريق الى حديثة. يقول الرجل الطيب خليفة العلواني : عندما وصلت الى مستوصف حديثة دخلت مسرعاً الى مكتب الطبيب البيطري  واخبرته ان مزاج المدير العام يمتاز بالغضب وهو مشحون ضدك ولا ينقذك من غضبه الا احضار بعض وجوه المدينة كي يشفعوا لك. لقد كان الطبيب البيطري يعمل بجد وإخلاص وكان محبوباً من قبل سكان حديثة لذا تمكن بسهولة من ان يجد من يلبي طلبه. دخل المدير العام بسرعة الى غرفة الطبيب البيطري وقبل ان يفتح فمه فوجئ بالحضور وجلهم من اعيان المدينه الذين يعرفهم جيداً ، وقد استقبلوه بالسخرية و"الشتائم" والاستهزاء به فاسقط بيده ولم يتمكن من ان يوبخ او يعاقب طبيب حديثة وعاد خالي الوفاض. ذكر لي السيد خليفة ان وجوه المدينة قرروا بعد هذه الحادثة مساعدة الطبيب البيطري واعادته الى مدينته معززاً ومكرماً وقد تم ذلك.

والسؤال هنا هو ما الذي اجبر السائق خليفة العلواني على اخبار طبيب حديثة بنية المدير العام ؟ وما الذي اجبر وجوه واعيان حديثة على تلبية طلب الطبيب ومساعدته بكل شهامة ونخوة؟ الجواب وكما قلت ليس صعباً. ان شيوخ العشائر وسكان المحافظة قد جبلوا على عادات وتقاليد تناقلوها بالوراثة من الاباء والأجداد وتربوا عليها وهي تقدير ومساعدة الضيف  والاستجابة لنجدة من يستحق ما دام هذا الشخص بدوره ملتزم بتقاليدهم ويعمل في اخلاص في مدينتهم. انها الأخلاق العربية الاصيلة  يشترك فيها رئيس العشيرة والسائق والمزارع البسيط والمواطن العادي.

هذه ذكرياتي قد مضى عليها 40 عاماً ...خرجت من العراق عام 1981 ، ومنذ ذلك الوقت والى الآن ، لم اسمع بأخبار الاستاذ عبد الواحد الخربيط وكذلك الأمر بالنسبة الى المرحوم الشيخ عناد معجل نجرس الكَعود. إلا انني قد علمت من خلال شبكة الانترنت ان الشيخ عناد قد انتقل الى رحمة ربه.

ان ما يجري الآن لعشيرة البو نمر الأبية يدمي القلوب فهذه العشيرة الكبيرة (عددها 500 الف موزعة على عدة محافظات) يشهد لها بالشجاعة والعزيمة والإباء والشهامة والنخوة ، وقد تعرفت على صفاتهم هذه عن قرب خلال فترة اقامتي في هيت وهم يتصفون ايضاً بالأمانة والصدق والكرم والبساطة والطيبة والتسامح.
 
نعمان
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1541
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: تجربتي مع مدينة هيت

مشاركةالسبت نوفمبر 08, 2014 3:42 pm


قصه جميله عن اهلنا في الانبار وليست غريبه عليهم فهم اهل لها واليزرع طيب يحصد طيب فعروبتهم ووطنيتهم لم تسمح لهم التعامل مع الارهاب لذلك تعرضو للاباده وان شاء الله النصر حليفهم وسيسجل لهم التاريخ وقفتهم شكرا د نعمان
لا تسىء اللفظ وإن ضاق عليك الجواب
الامام علي (ع)
صورة العضو الشخصية
alabbasi
المشرف العام
المشرف العام
 
مشاركات: 1100
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:24 pm
مكان:
العراق
  

Re: تجربتي مع مدينة هيت

مشاركةالسبت نوفمبر 08, 2014 10:54 pm


تحياتي لك دكتور نعمان ولقد استمتعت حقاً بهذا السرد المشوق لذكرياتكم عن مرحلة مهمة في حياتكم، وذكرتني بيوم مشئوم في ذاكرتي الا وهو خروجي من العراق مجبراً في الثاني عشر من ايلول والذي عندما يصدف تنتابني في ذلك اليوم حالة من الحزن وعدم الارتياح ولكن نحمد الله على كل حال، نرجو ان تتحفنا بمقتطفات اخرى من مذكراتك.
وَمَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا.
صورة العضو الشخصية
Mohammed Al-Ameri
- عضو الهيئة الادارية -
- عضو الهيئة الادارية -
 
مشاركات: 1941
اشترك في:
الأربعاء أكتوبر 31, 2012 11:24 pm
مكان:
العراق-السويد
  

Re: تجربتي مع مدينة هيت

مشاركةالأحد نوفمبر 09, 2014 4:57 am


الاستاذ الفاضل د. نعمان المحترم
تحياتي الحارة واهلا وسهلا بك في منتداك واسف جدا على تأخري بالرد لاني لم ادخل للمنتدى منذ يومين . قصص جميلة تنم عن ذاكرة متقدة وروح مخلصة وقد تمتعت بقرائتها فعلا . ان ما ذكرته يا اخي العزيز ليس بغريب عن اهلنا بالعراق ولا عن اهل محافظة الانبار . ان النخوة هي احدى الصفات العراقية الصميمة وانا تحدثت عن هذا الصفة في سلسلة مقالاتي عن طبيعة الشخصية العراقية التي نشرتها قبل عامين . اما اذا جئنا الى اهل محافظة الانبار وتحدثنا عنهم بشكل خصوصي فهؤلاء القوم يتصفون بعروبة طافحة ووطنية اصيلة وما في هذا من شك على مدى تاريخهم . لذلك انا لم استغرب مواقفهم معك ومسارعتهم في تقديم الخدمة لك , فمثل هذا لا تقوله وحدك بل يقوله كل انسان يتعامل مع مثل هؤلاء القوم الشرفاء .
انا سعدت بسماعي لخبر تقدمك في كتابة مذكراتك , لكني في نفس الوقت حزنت لانك لا تنوي نشرها وتعتزم ابقاء تداولها محصورا بفئة قليلة من الناس . ان الغرض من كتابة اي مذكرات هو افادة الناس من تجارب المرء بحياته وفي نفس الوقت تسجيل وتوثيق الحوادث التاريخية حتى وان كانت منظورة من جهة شخص معين , وان كتابتها وعدم نشرها يلغي هذه الميزات ويجعل ليس من الداعي لكتابتها اصلا . على كل هذا الامر سابق لاوانه الان وربما ستعيد النظر في قرارك لاحقا .
تحية لك ايها الصديق العزيز د. نعمان واهلا وسهلا بك مرة اخرى هنا , ودمت صديقا عزيزا وسندا لمنتدى أيامنا على طول المدى .
صورة
صورة العضو الشخصية
Wisam Alshalchi
رئيس الهيئة الادارية
رئيس الهيئة الادارية
 
مشاركات: 3943
اشترك في:
الخميس أغسطس 30, 2012 3:35 pm
مكان:
الاردن , الولايات المتحدة
  

Re: تجربتي مع مدينة هيت

مشاركةالأحد نوفمبر 09, 2014 9:21 am


تحية إعزاز للدكتور الفاضل / نعمان
لكم سعدت بهذه الكلمات التي كتبت ومن صدقها وفحوى ما بها كأني عشت معكم هذه الأيام وأشم رائحة الجو بوصفكم
وليس بالغريب أبدا عليكم أن تتذكر نخوة وكرم أهل الأنبار كان الله معهم
وننتظر منكم أيها الكريم أن نقرأ المزيد والمزيد من هذه المقتطفات التى حتما سنستفيد منها
أكرر تحياتي وشكري ودعاء من القلب لكل أهل العراق وأن يرد كل غائب إلى وطنه
flower
Do for Allah Allah Will Do for You
إفعل الصواب دائما، فهذا سيُغْضِب بعضهم، و سيثُير إعجاب بقيتهم
لؤي الصايم
flower
صورة العضو الشخصية
Loaie Al-Sayem
عضو الهيئة الادارية
عضو الهيئة الادارية
 
مشاركات: 5577
اشترك في:
الأحد فبراير 03, 2013 7:50 pm
مكان:
عربي الهوى مصري المُقَام
  

Re: تجربتي مع مدينة هيت

مشاركةالأحد نوفمبر 09, 2014 9:49 pm


الأخ العزيز الأستاذ محمد العباسي


اشكرك جزيل الشكر على تعقيبك اللطيف واتفق مع ما جاء في مداخلتك الكريمة

نعمان
آخر تعديل بواسطة د.نعمان في الأحد نوفمبر 09, 2014 10:56 pm، عدل 2 مرات
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1541
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: تجربتي مع مدينة هيت

مشاركةالأحد نوفمبر 09, 2014 10:03 pm


الأخ العزيز الدكتور محمد العامري

لقد سررت بتعليقك على مشاركتي وأنا اظن ان هناك أوجه تشابه في معاناتنا وان اختلفت الفترة الزمنية او الفاعل المسبب لتلك المعاناة.

سأحاول نشر اجزاء اخرى من ذكرياتي عن محافظة الأنبار ولكن اخشى ان تزعج القارئ فاغلبها يتعلق بمفارقات حدثت اثناء العمل ولكنها تظهر المعدن الطيب للمواطن العراقي الأصيل
 
نعمان

آخر تعديل بواسطة د.نعمان في الأحد نوفمبر 09, 2014 10:53 pm، عدل 1 مرة
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1541
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: تجربتي مع مدينة هيت

مشاركةالأحد نوفمبر 09, 2014 10:35 pm


الأخ والصديق العزيز الأستاذ وسام الشالجي
 
لقد سررت بتعليقك الرائع. نعم لقد سبق وان قرأت مقالاتك القيمة التي تناولت شخصية الفرد العراقي وقد تضمنت تحليلات موضوعية اتفق مع أغلب ما جاء فيها .
 
بالنسبة الى مذكراتي او ذكرياتي فكما ذكرت في تعقيبي على مداخلة الصديق العزيز الدكتور محمد العامري فانا مستعد لنشر الجزء المتعلق بمحافظة الانبار او حتى بعض الاجزاء التي قد تكون مفيدة. اما كلها فلا اعتقد انني سأكون قادراً على القيام بذلك لأنها مذكرات شخصية بحتة لمواطن عادي قد تثير جدالا نحن في غنى عنه. ولكن قد انشر بعض الاجزاء المتعلقة بتجربتي في فرنسا والتي ستتضمن فصلاً عن اختلاف العادات بين الفرنسيين والعراقيين ، والأحكام الخاطئة التي يطلقها معظم الطلبة و العرب المقيمين في فرنسا عن هذا البلد بسبب كون معرفتهم واختلاطهم بالفرنسيين سطحية وان استمرت سنوات طوال.

اشكرك على اهتمامك بما نشرته عن مدينة هيت ام النواعير
 
نعمان

آخر تعديل بواسطة د.نعمان في الأحد نوفمبر 09, 2014 10:54 pm، عدل 1 مرة
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1541
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: تجربتي مع مدينة هيت

مشاركةالأحد نوفمبر 09, 2014 10:52 pm


الأخ العزيز الستاذ الفاضل لؤي الصايم

تحية طيبة

لقد فرحت بكلماتك الجميلة النابعة من القلب واشكرك على التمنيات الخالصة في ان يعم الخير في بلدك الثاني العراق.

ان ما ذكرته عن نخوة وشهامة ابناء محافظة الانبار هو شيء قليل لأنه كان يتعلق بي شخصياً ، ولكن هناك الكثير من الأمثلة الأخرى التي شاهدتها او سمعت بها وتتعلق بكثير من الناس. وشهادتي هذه تأتي من شخص قادم من خارج المحافظة وليس من داخلها.

مع التقدير
 
نعمان

صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1541
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: تجربتي مع مدينة هيت

مشاركةالجمعة أكتوبر 18, 2019 7:32 am


الاستاذ د. نعمان 
هذه المشاركة لاثبات وجود الموضوع
مع اطيب التحيات
وَمَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا.
صورة العضو الشخصية
Mohammed Al-Ameri
- عضو الهيئة الادارية -
- عضو الهيئة الادارية -
 
مشاركات: 1941
اشترك في:
الأربعاء أكتوبر 31, 2012 11:24 pm
مكان:
العراق-السويد
  

التالي

العودة إلى المقالة الثقافية والفكرية

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار