منتدى أيامنا • مشاهدة الموضوع - حسون الأمريكي رجل متمرد مر ببغداد مثل عاصفة أنيقة
      مرحبا بك عزيزي في منتدى أيامنا ، ندعوك إلى التسجيل في الموقع ، التسجيل مجاني و لن يأخذ من وقتك إلا دقائق قليلة . للتسجيل اضغط هنا
*    

حسون الأمريكي رجل متمرد مر ببغداد مثل عاصفة أنيقة

كل ما هو نادر وقديم من المواضيع التراثية

المشرف: الهيئة الادارية

حسون الأمريكي رجل متمرد مر ببغداد مثل عاصفة أنيقة

مشاركةالأربعاء يوليو 20, 2016 10:24 am


حسون الأمريكي رجل متمرد مر ببغداد مثل عاصفة أنيقة
حسون الأمريكي لم يكن ابن عصره البغدادي، كان نبوءة عصر كان العراقيون قد سعوا في العقود التي تلت ظهوره إلى أن يلتحقوا به، غير أنهم فشلوا في مسعاهم.
فاروق يوسف - صحيفة العرب
[نُشر في 10/07/2016، العدد: 10330، ص(10)]

25288:حسون الامريكي.jpg


لندن - يمكنك أن تراه كما لو كنت تتخيله. فالفتى الهائم على وجهه كان قد اخترع زمنا لم يصل إليه العراقيون، أبناء جلدته حتى اللحظة، وإن شهدوا لحظات كانوا يتمنّون السير وراءه وتقليده في ما فعل. ولأنه كان خلاصة فكرة عصية على التفسير، من جهة غموضها فقد اعتبره علماء الاجتماع وفي مقدمتهم علي الوردي ظاهرة فريدة من نوعها.

عابر القارات متخيلا صورته

كان ينزّه كلبه كما لو أنه يتنقل بين أحياء لندن وكان حين يذهب إلى العمل ممتطيا دراجته الهوائية أشبه بمَن يخترق سنترال بارك بنيويورك. أما إصراره على أن يرتدي البنطلون القصير (الشورت) والقمصان المزركشة (هاواي) فإنه يوحي بخروجه للتو من إحدى مجلات الأزياء العالمية التي بدأت في المكتبة الملحقة بـ”أورزدي باك” تلك السوق التي كانت تتوسط شارع الرشيد بمبناها الفخم وترف بضائعها. على إيقاع خطواته الواثقة كان حسون الأمريكي يخترق شوارع بغداد في زمن كان فيه البغداديون يملكون المزاج الساخر الذي يدفعهم إلى التحقق من هوية مَن يمرّ بهم من غير أن يزعجوه. لذلك كانت مشكلتهم مع حسون مختلفة عن مشكلاتهم مع الغرباء. فالفتى المتمرد، يبدو في كل لحظة ظهور كما لو أنه هبط عليهم من كوكب آخر، بالرغم من أنه كان معروف الهوية، بل إنه كان الأكثر شهرة من بين أبنائهم.

لقد اجترح حسون معجزة شهرته من رغبته في أن يكون مختلفا، بطريقة تعبر به ركاما من الأزمنة عابرا قارات في طريقه إلى العالم الجديد، هناك حيث يقيم كلارك كيبل ومارلون براندو ويول براينر. أكانت الشهرة هي الهدف الذي سعى إليه وحققه في حياة بنوع من العزلة أم أنه وجد في اختلافه مادة لحياة، يليق به أن يعيشها منفردا على طريقته؟ إن كان هدفه الشهرة، فقد نجح حسون في أن ينافس في شهرته ناظم الغزالي وهو كبير مطربي عصره وجمولي الذي كان الأقرب من بين لاعبي كرة القدم إلى قلوب جمهور تلك اللعبة الشعبية. ولكن ذلك التفصيل قد يخون حقيقة أن حسون كان مأخوذا بالحضارة الغربية، ما وصله منها وما كان قادرا على أن يصنع منه مصدرا للإلهام.

خطواته الواثقة كان حسون الأمريكي يخترق بها شوارع بغداد في زمن كان فيه البغداديون يملكون المزاج الساخر الذي يدفعهم إلى التحقق من هوية من يمر بهم من غير أن يزعجوه. لذلك كانت مشكلتهم مع حسون مختلفة عن مشكلاتهم مع الغرباء . لقد وظف حياته كلها من أجل أن تصل تلك الرسالة وكان شجاعا في مواجهته لمجتمع كان محافظا من غير توحش. ما يجب الاعتراف به أن ذلك المجتمع، الذي لم يكن راضيا عن ابنه حسون، كان رحيما ولم يكن قاسيا. كانت بغداد خمسينات القرن الماضي مدينة تستعد بأبهة ملكية للاندماج بالعصر، فكان حسون الأمريكي واحدا من رموز ذلك المسعى التنويري.

صنع مشاهده بعين مخرج
ولد حسون كاظم عيسى العبيدي عام 1929 بالأعظمية (محلة الصليخ)، وهي إحدى مناطق بغداد التاريخية. وبعد إنهائه تعليمه الثانوي، عمل حسون في مصرف الدم التابع للمجيدية وهو الاسم الذي كان يطلق في العهد الملكي على المستشفى الجمهوري الذي تحول في ما بعد إلى مدينة الطب. ولأنه كان شابا دؤوبا ومهذبا ومجتهدا في عمله فإن علاقته بالأطباء قد فتحت أمامه باب الحصول على الملابس الغريبة التي كان أولئك الأطباء يحرصون على جلبها إليه هدايا حبا به وبرغبته في أن يكون معاصرا في لباسه كما في أفكاره. وقد يكون ظريفا أن نعرف أن حسون لم يكن يملك كلبا خاصا به، فكلاب العراق كلها كانت سائبة ولا يمكن تربية أيّ واحد منها بالطريقة التي يعرفها الأوروبيون. لذلك كان حسون يستعير كلبه من بيوت الأطباء الذين كانوا يتعاطفون معه لينزّهه تحت أنظار المارة وقريبا منهم. وهو سلوك لم يكن معروفا في بغداد. حسون الأمريكي صاحب ذائقة جمالية خاصة في انتقاء ألوان ملابسه بما ينسجم مع آخر صيحات الموضة في أوروبا. غير أنه كان حريصا على ارتداء القمصان المزينة بصور الزهور والأشجار في الوقت الذي كان رجال زمانه يميزون أناقتهم بالقميص الأبيض. كان ذلك المشهد صناعة حسونية خالصة. فلم ير البغداديون قبله وبعده رجلا ينزّه كلبا، وبالأخص أن ذلك الكلب كان من نوع “وولف دوغ” الذي يعتبر مخيفا في مجتمع لم يعهد رؤية الكلاب المدجّنة.

التحدي الذي لم يفهمه الآخرون
مع ذلك الكلب انتقل حسون باختلافه إلى مرحلة التحدي. يوما ما أقدم حسون على أن يدخل الكلب معه إلى حافلة النقل العام (باص الأمانة) بعد أن قطع تذكرة للكلب ليجلس. وقد قيل إن ذلك التصرف تمّت مواجهته بالاستهجان من قبل الموجودين في الحافلة. وهو ما دفع حسون إلى أن يقول للمحصل (الجابي) إنه (يقصد الكلب) أفضل منهم. وهي كما أرى حادثة ملفّقة، أريد من خلالها الإساءة إلى ذلك الشاب الذي عُرف بتهذيبه العالي واحترامه لحريات الآخرين. أما حين تحسنت أمور الأمريكي المالية فقد صار حسون يشتري ملابسه الحديثة بنفسه من أرقى مخزنين للأزياء في بغداد “أورزدي باك” و”حسو إخوان”. وكما يبدو فقد نشأت علاقة مميزة بين حسون وعدد من العاملين في المخزنين جعلته قادرا على أن يطلب ما يرغب به من ملابس، كانت عيناه تقعان عليها في مجلات الأزياء المستوردة. كانت أناقته الشبابية المتحررة مناهضة لتلك الأناقة المنضبطة التي كان البغداديون يحرصون عليها بتأثير مباشر من الحضور الإنكليزي. كان حسون ذا ذائقة جمالية في انتقاء ألوان ملابسه بما ينسجم مع آخر صيحات الموضة في أوروبا. غير أنه كان حريصا على ارتداء القمصان المزينة بصور الزهور والأشجار في الوقت الذي كان رجال زمانه يميزون أناقتهم بالقميص الأبيض. في وقت متأخر من حياته، بعد تقاعده من العمل وقبل وفاته عام 1985 بسبب إصابة قلبية استطاع حسون أن يزور عددا من البلدان الأوروبية. أما الولايات المتحدة التي نُسب إليها فإنه لم يرها إلا في الأفلام السينمائية. الغريب أن أحدا من الروائيين العراقيين لم يتخذ من حسون الأمريكي بطلا لرواية، يمكنه من خلالها أن يسلط الضوء على مشروع تمرد ثوري، كان يقع خارج الوصفات العقائدية الجاهزة.

25289:حسون الامريكي ليس امريكيا.jpg

لم يكن حسون الأمريكي ابن عصره البغدادي، كان نبوءة عصر كان العراقيون قد سعوا في العقود التي تلت ظهوره إلى أن يلتحقوا به، غير أنهم فشلوا في مسعاهم، ولم يعد في إمكانهم سوى أن يندموا على ما فعلوه بأنفسهم. لقد تيسرت لحسون، وهو أحد أبناء بغداد، فكرة أن يقفز إلى العصر الحديث مستندا إلى مبدأ حرية الفرد في اختيار ملابسه. أما كان في إمكان حذائه الـ”جم جم” وتلفظ الجيم أعجمية لتكتب بثلاثة نقاط في أسفلها، أن يوقظ المدينة من سباتها؟ بعد حسون ارتدى الكثير من الشباب ذلك الحذاء الذي كان من النوع القبغلي (من غير رباط) فكانت أصوات خطواتهم تذكّر بذلك الشاب الذي اخترق شوارع بغداد، متحديا التقاليد والأعراف ليؤكد نزعته اللامنتمية. ومن الغريب فعلا أن أحدا من الروائيين العراقيين لم يتخذ من حسون الأمريكي بطلا لرواية، يمكنه من خلالها أن يسلط الضوء على مشروع تمرد ثوري، كان يقع خارج الوصفات العقائدية الجاهزة. ألا يصلح حسون بطلا لفيلم سينمائي؟ كان حسون مشروعا ثوريا مكتمل الملامح. حين دعا عالم الاجتماع علي الوردي إلى دراسة حسون الأمريكي باعتباره ظاهرة استثنائية، كان يدرك المغزى التاريخي الذي تنطوي عليه تلك الظاهرة. لقد سبق حسون مجتمعه، ولكنه لا يزال يسبقه حتى هذه اللحظة. فالمجتمع الذي تمرد عليه حسون وحاول أن يغيّره كان أفضل حالا من مجتمع اليوم. يومها كان المجتمع رحيما ولم يتمكن منه التوحش. وبالرغم من كل ذلك فقد اضطرّ حسون في سنواته الأخيرة إلى أن يعتزل المجتمع، عاكفا على حياته التي أشبعها اختلافه زهوا. كان هناك مَن اتهمه بالجنون، وهو أمر لا صحة له في الواقع. كان الرجل في حقيقته مجنون حياة معاصرة.

فاروق يوسف
ليس لديك الصلاحية لمشاهدة المرفقات
صورة
صورة العضو الشخصية
Wisam Alshalchi
رئيس الهيئة الادارية
رئيس الهيئة الادارية
 
مشاركات: 3785
اشترك في:
الخميس أغسطس 30, 2012 3:35 pm
مكان:
الاردن , الولايات المتحدة
  

العودة إلى مواضيع تراثية مختلفة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر/زوار