منتدى أيامنا • مشاهدة الموضوع - Dr.Marthe Gautier تجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَّه
      مرحبا بك عزيزي في منتدى أيامنا ، ندعوك إلى التسجيل في الموقع ، التسجيل مجاني و لن يأخذ من وقتك إلا دقائق قليلة . للتسجيل اضغط هنا
*    

Dr.Marthe Gautier تجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَّه

البحوث والدراسات والاكتشافات الحديثة في مجال الطب

المشرف: الهيئة الادارية

Dr.Marthe Gautier تجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَّه

مشاركةالخميس يناير 18, 2018 10:30 pm


الدكتورة مارت كَوتْيَّه ( Marthe Gautier)

مكتشفة اول مرض جيني في العالم

والمشرفة على اطروحتي للدكتوراه

ان أغلب المعلومات الواردة ادناه تنشر لأول مرة  في اللغة العربية وقسم منها ينشر لأول مرة على الاطلاق. ومعلوماتي مستمدة من معرفتي الشخصية اثناء عملي مع العالمة الدكتورة "ماغت كَوتْيَّه" ( 1925-   ) لعدة سنوات ومن اتصالات شخصية مع من واكب قصة الاكتشاف ومنهم عضو في اكاديمية الطب وكذلك من مصادر نشرت حديثاً في اللغتين الفرنسية والانكليزية. وقصة الاكتشاف في عام 1958 هي بحد ذاتها مشوقة ومؤلمة في الوقت ذاته ، والمكتشفه نفسها تقول انها لا تحتفظ بذكريات طيبة عن تلك الفترة.  لقد صاحب هذا الاكتشاف العلمي الكبير ونشره التباسات وطمس لبعض الحقائق مما ادى الى خلق ضجة ، علمية واخلاقية ، اخذت ( ولا زالت ) تزداد وتكبر بمرور الزمن رغم مرور 60 عاماً على الاكتشاف ، ووصلت الى قمتها عامي 2009 و 2014 حيث كان الموضوع حديث الصحف العلمية والجرائد اليومية في فرنسا وامريكا وبريطانيا ودول اخرى ، ودخلت الاوساط الطبية والعلمية في مواقف محرجة للغاية ... حتى ان بعض القضايا المتعلقة بالموضوع وصلت الى قداسة البابا. والأعجب من هذا وذاك ان جائزة نوبل قد حجبت عن هذا الاكتشاف الذي بفضله تم ويتم انقاذ الاف العوائل سنوياً ،  رغم ان الجائزة  هي اقل ما يمكن ان  يتوج به هذا الاكتشاف..وستعرفون التفاصيل بعد قليل.

من منا لم يسمع باسم المرض الجيني TRISOMY 21 والذي يكتب في العربية التثلث الصبغي 21 او الترايسومي 21  او متلازمة داون (    Down Syndrome   ) او المرض المغولي ؟  و خاصة عندما اصبح مسح او تشخيص المرض عند المرأة الحامل في سن معينة  متوفر وضروري لأن الاحتمال بالاصابة به تزداد بتقدم العمر. اما اعراض المرض فتتمثل بتشوهات خلقية وتخلف عقلي وعاهات تعقد حياة المصاب وعائلته بشكل فضيع. في فرنسا يتم الفحص عند الحامل بعمر 38 سنة وما فوق ويتم على عينة من السائل الامنيوتي الذي يحيط ويحمي الجنين . علماً ان نسبة الاصابة به تصل الى حوالي واحد من 700 ولادة وهي نسبة لا يستهان بها ( 1 الى 1000 بعمر 30 سنة ، 1 الى 187 بعمر 38 سنة  ، و 1 الى 50 بعمر 50 سنة ).

القسم الاول سأخصصه لموضوع الاكتشاف والقسم الثاني الذي لم انهي كتابته بعد سيكون حول تجربتي مع العالمة مارت كَوتْيَه التي استمرت ما يقارب السبعة سنوات في مختبرها في مستشفى الكرملن بيستغ Le Kremlin – Bicêtre .
 
 
 
 
القسم الأول

قصة اكتشاف الترايسومي 21 (Trisomy 21 )

ما قبل الاكتشاف : البدايات

جاءت مارت كَوتْيَّه الى باريس قادمة من احد ارياف فرنسا ، وسط معمعة الحرب العالمية الثانية التي كانت تقترب من نهايتها ، والتحقت بشقيقتها الكبرى التي كانت تعمل طبيبة مبتدئة وهي في المرحلة النهائية من دراسة الطب. فقالت لها شقيقتها " ان تكوني امرأة ولستِ ابنة مسؤول كير فعليكِ ان تكوني افضل مرتين من اجل الوصول الى النجاح ". ودرست مارت الطب وسط صعوبات جمة منها ان اختها قد قتلت عام 1944 من قبل الالمان اثناء فترة التحرير ، فكان عليها ان  تعوض عائلتها المفجوعة بعض تلك الخسارة. ونجحت في الطب  واستطاعت ان تحصل على عمل في احدى المستشفيات في فترة كانت تعتبر صعبة بالنسبة الى المرأة للحصول على عمل ، فمن بين 80 طبيباً كان يوجد امرأتين لا اكثر. وبعد اربعة سنوات من العمل والتدرب على يد الاستاذ " ر.دوبرية Robert Debré " الذي كان يعد ابو طب الاطفال ، حصلت على زمالة لمدة عام الى جامعة هارفر الامريكية على امل العودة بعد ذلك لتستلم وظيفة مخصصة لها. والهدف كان دراسة امراض القلب عند الاطفال ولكن ضمن ما تعلمته في بوستن كان ايضاً احدث الطرق في زرع الخلايا في مختبر خاص بذلك وكانت تعتبر من الوسائل الجديدة والمهمة. اما ما تعلمته من الحياة في الولايات المتحدة الامريكية فهو شيء اخر اذ شعرت انهم يعاملون الفرنسيون على اساس انهم من بلد نامي ، ومنذ ذلك الحين اخذت هذه الطبيبة الشابة على عاتقها الدفاع عن حقوق المهاجرين في العالم.
 
سنوات الاكتشاف : باحثة رائدة وقادم جديد طموح

وبعد عودتها الى فرنسا علمت ان الوظيفة المخصصة لها قد اعطيت لشخص آخر ، فعملت في مستشفى "تروسو  TROUSSEAU". كانت اهتمامات مدير المستشفى ( البروفسور تيربان TURPIN    ) الرئيسية مكرسة لدراسة التشوهات الخلقية الوراثية وسط  منافسة شديدة بين الباحثين من الامريكان والفرنسيين والانكليز. في عام 1956 ، وبعد مشاركته في المؤتمر العالمي  لعلم الجينات البشرية في كوبنهاجن ، والذي اتضح فيه ان عدد الكروسومات عند الانسان هو 46 وليس 48 كما كان يُعتَقد ، ابدى للأطباء العاملين معه  اسفه لعدم وجود مختبر لزرع الخلايا في باريس لما له من ضرورة في تعداد كروموسومات مرض " المغولي : التسمية القديمة لمرض التثلث الصبغي او الترايسومي 21 ". فأبدت الطبيبة مارت كَوتْيَّه استعدادها لفتح مثل هذا المختبر حيث انها تعلمت زرع الخلايا في بوستن ، على ان يخصصوا لها مكان في المستشفى. كانت الامكانيات المالية بعد الحرب العالمية الثانية لا زالت ضعيفة ولكن   الدكتورة كَوتيه استطاعت ان تحصل على المكان وجهزته بثلاجة وجهاز طرد ودولاب فارغ  وميكروسكوب بسيط جداً. وكان عليها  وبإمكانياتها المالية الخاصة والضعيفة والاستدانة ان توفر بعض الزجاجيات وجهاز تقطير للماء والمواد اللازمة لزراعة الخلايا. تقول الدكتورة " انها قد صممت على فتح المختبر ولن تلوي ذراعها للصعاب " . فكانت تحصل على البلازما ( مهم لزراعة الخلايا ) من دم ديك اشترته لهذه الغاية وربته في حديقة المستشفى ، وقررت ان تستخدم دمها في استخلاص " السيرم " المصل الضروري لنمو الخلايا ، اي ان تتبرع بدمها فهو اقتصادي واكيد. واستطاعت ان تحصل على عينات من اطفال طبيعيين (كونترول ) واظهرت الفحوصات على وجود 46 كروموسوم.

في هذه الاثناء جاء يزورها في المختبر و لمرات عديدة شخص لم تكن تعرفه سابقاً وهو طبيب متدرب  يعمل في المركز الوطني للبحوث على الاشعاعات الآيونية في مستشفى اخرى وتلميذ المدير واسمه جيروم لوجن Jérôme Lejeune (1926-1994 ) ، وله ايضاً اهتمامات في خلايا اليد، واخذ يبدي اهتماماً بما تقوم به د. كَوتيه من بحوث عن الكروموسومات ، وسنتحدث عن  هذا الشخص لاحقاً.

 واخيراً في عام ( 1958 ) نجحت الدكتورة الشابة في الحصول على عينة نسيجية من طفل مصاب بالمرض " المنغولي " وكانت نتائج الفحوصات رائعة ولا تقبل الجدل : وجود 47 كروموسوم عند الطفل المريض  بدلاً من العدد الطبيعي الذي هو 46 . وبهذا فان الدكتورة مارت كَوتْيَّه قد ربحت الرهان فهي وحدها وبإمكانياتها التكنيكية البسيطة التي وفرتها في المختبر الذي شيدته بنفسها وبالتبرع بدمها استطاعت ان تثبت المرض..انه اكتشاف فرنسي لم يكن في السابق سهل المنال ، وهي المرة الاولى في التاريخ التي يتوفر فيها شرح بايولوجي لتخلف عقلي وإيجاد  علاقة بين هذا التخلف وتشوه الكروموسوم. انه اكتشاف اول مرض تسببه تشوهات كروموسومية في الجنس البشري ، وهذا الاكتشاف قد فتح الآفاق لولادة علم جديد هو علم الجينات الخلوية او " Cytogenetic السايتوجنتك " ولاكتشافات جديدة لتشوهات كروموسومية اخرى. وهو يأتي بعد مرور اكثر من قرن على وصف هذا المرض سريرياً. بل ، في عالم طب الاطفال وعلم الجينات ، يمكن الحديث عن عصر ما قبل الاكتشاف وما بعده.

الكروموسوم الاضافي او الزائد صغير ( اتضح فيما بعد انه يعود الى الكروموسوم 21 ) والمختبر لا يملك ميكروسكوب مزود بكاميرا لتصوير الكروموسومات من اجل توثيق النتيجة واثبات " الكاريوتب  caryotype "  ونشرها. اقترح القادم الجديد  " جيروم لوجن " القيام  بمهمة التصوير في مختبر آخر يملك تجهيزات تصويرية افضل فعهدت له السلايدات ، ولم تعلم حينها انها قد أخطأت عندما وثقت بهذا الشخص. كان هذا الطبيب الشاب الجديد قد ادرك اهمية هذا الاكتشاف العظيم ، اما الدكتورة صاحبة الاكتشاف فانها تقول عن نفسها في تلك الفترة " كنت صغيرة جداً ولم تكن لدي الخبرة الكافية ولا السلطة في هذا الوسط الطبي  ولم اعرف طرق واساليب المواجهة ولا قوانين اللعبة. وكانت الحصيلة هي ان القادم الجديد والطموح جداً اخذ السلايدات وصورها ولم يريها تلك الصور رغم مرور فترة غير قليلة مماطلاً بحجة انها محفوظة في مكتب المدير. ابعدت عن الموضوع او تجاهلوها ، ولم تعلم حينها لماذا لم ينشر اكتشافها فوراً ! ولكنها اكتشفت لاحقاً ان جيروم لوجن كان يخشى ان يكون الاكتشاف خاطئ فيطيح بمستقبله المهني. وبعد ذلك فان السيد جيروم لوجن قد ابرز نفسه باعتباره لاعب الدور الأول في اكتشاف  الترايسومي 21 ، فعندما ذهب مرسلاً من مركز بحوثه الى مؤتمر في كندا مكرس للاشعاعات الأيونية ( موضوع اختصاصه ) طلب انعقاد كونفرنس عاجل  لم يكن مخطط له  و تحدث عن الاكتشاف ( دون ان يكون مخولاً بذلك ) بطريقة توحي انه المكتشف الوحيد ودون ان يذكر اسم مارت ولا اسم استاذه ، في حين ان الدكتورة مارت كَوتْيَّه هي صاحبة الاكتشاف وهي التي رأت بأم عينيها ولأول مرة في العالم وجود الكروموسوم الاضافي الصغير. وكان هذا من خلال الزروعات الخلوية التي قامت بها في المختبر الذي شيدته بنفسها وبالمواد التي اشترتها من جيبها الخاص والاوساط الزرعية التي غذتها بدمها. وبعد عودة جيروم لوجن من كندا نشر البحث في مطلع عام  1959على عجل في مجلة اكاديمية العلوم الفرنسية والحجة هي من اجل ان يكون تاريخ النشر متقدم على ما قد ينشر من قبل الباحثين الانكليز والامريكان. الى الآن والطبيبة مارت كَوتْيَّه لم ترى الصور وبدون ان تكون على علم بالتفاصيل فالنص وصلها شفهياً في نهاية عطلة الاسبوع كي يكون جاهزاً في يوم الاثنين اي بداية الاسبوع. وبعكس كل المعايير والقيم المتعارف عليها نشر البحث وكان اسم جيروم لوجن هو الاول واسم مارت الثاني واسم المدير هو الاخير ، وبهذا فان الدكتورة مارت كَوتْيَّة كانت الضحية الوحيدة من هذا التسلسل حيث جرت العادة ان يكون الاسم الاول للباحث الاول القائم بالتجربة والعمل الرئيسي والاسم الاخير هو للمدير اي صاحب العمل وهذا شيء متعارف عليه. اضافة الى ذلك فقد نشروا اسمها مكتوباً بشكل خاطئ سواء كان الاسم الاول ( ماري بدلاً من مارت )  او اسم العائلة ( هل هو خطأ مقصود !!). فهل هناك اجحاف وظلم اكثر من ذلك ؟. كان طموح جيروم لوجن كبيراً وبوضع اسمه كباحث اول كان يأمل  في الحصول على جائزة نوبل .

تقول العالمة مارت كَوتْيَّه ، ودون حقد او رغبة في الانتقام ، ما معناه " لقد سبب لي ذلك جرحاً لن انساه" وشعرت انه قد لعب عليها وانها اصبحت المكتشفة المنسية . ثم بدأت بعد ذلك الدعايات الاعلامية منظمة ومبرمجة من قبل جيروم الذي رتب لنفسه لقاءات صحفية واعلامية. واذا به يقفز من طبيب متدرب في المعهد الوطني للبحوث الى باحث متقدم وينال المدالية الذهبية ثم يرقى الى وظيفة استاذ في السايتو جنتك ( علم الجينات الخلوية ) وهي وظيفة استحدثها له المدير الاستاذ " Turpin تيربان"  دون المرور بالتدرج الجامعي ..لتفتح له الابواب على العالم ويحصد الجوائز..فيستلم لوحده "جائزة كندي" (200000 فرنك جديد ) وجوائز اخرى  دون ان يحاول اشراك زميلته المكتشفة الاولى للمرض. وبالتدريج وبمرور الزمن أخذ يشارك في العديد من المؤتمرات ويقدم نفسه من جديد على أنه المكتشف الوحيد الى حد ان ورثة استاذه " تيربان " يتقدمون بدعوة قضائية بواسطة محاميهم مستندين على وثائق محفوظة في معهد باستور..ومع هذا فانه اصبح حسبما تقدمه الصحافة والاعلام ب " ابو الترايسومي 21 ".
 
ما بعد الاكتشاف : ستون عاماً من الاحداث

فحوصات في خدمة الاسرة :

في عام 1960 توفرت الامكانيات اللازمة و اصبح من الممكن تشخيص المرض عند المرأة الحامل اي قبل الولادة وفي عام 1975 جرى التصويت والموافقة على القانون الذي يسمح بالإجهاض مما اثار مشاكل عند الطبيب جيروم ليجن وردود فعل سلبيه كونه كاثوليكي مؤمن ومتدين وضد الإجهاض. علماً ان هذه الفحوصات والمسوحات ، التي من خلالها يمكن التأكد من وجود او خلو الجنين من الخلل الجيني ، قد انقذت آلاف العوائل في كل دول العالم وجنبتها مآسي وويلات . في فرنسا يتم الفحص عند الحامل بعمر 38 سنة وما فوق ويتم على عينة من السائل الامنيوتي الذي يحيط ويحمي الجنين . واجراء الفحص يجري في المراحل الاولى من الحمل كي يمكن القيام بعملية اسقاط الحمل في حالة اثبات الاصابة فالمرض مرعب وفضيع ويحيل حياة العائلة اليومية الى جحيم ، فالمولود المصاب به سيكون مقعد او شبه مقعد مع تشوهات خلقية عقلية وجسدية.

وفي سنوات الستينات ابتعدت  مارت عن جيروم  وكرست نفسها لعلم امراض القلب عند الاطفال " لم ادرس الطب لأعد الكروموسومات وانما لعلاج الاطفال ". ثم ترأست لاحقاً وحدة بحوث السايتوجنتك في المعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية في مستشفى الكرملن بيستغ (Le Kremlin – Bicêtre   ) القريبة من باريس كمديرة بحوث اضافة الى عملها كطبية لامراض القلب.
 
جائزة نوبل :

كانت الاوساط الطبية تتوقع ان تمنح لجنة نوبل الجائزة للاكتشاف ولكن ذلك لم يحدث. وفي هذا المجال يذكر احد العلماء ان سكرتير لجنة نوبل جان لينستن جاء الى باريس واتصل بالاستاذ موريس لامي وزوجة العالم ( كلهم مختصيين بعلم الجينات ) وسألهم ان كانوا سيصابون بالصدمة ان قررت اللجنة عدم ادراج اسم جيروم لوجن لنيل الجائزة ، وبالفعل لم يدرج اسمه. ولا احد يعرف السبب الحقيقي ، فهل يعود ذلك الى مواقف جيروم الدينية حول التشخيصات والاجهاض ( وهذا ما ينفيه البعض ) ام بسبب الشكوك التي كانت تحوم حول دوره في الاكتشاف ؟ ام لاسباب اخرى ؟.
 
شهادة للتاريخ :

لقد عملت مع الدكتورة مارت كَوتْيَّه في مختبرها الاخير لمدة سبعة سنوات ( 1983 – 1990) وهذا ما سأفصله في القسم الثاني من المقالة. وخلال تلك الفترة كان كل الاساتذة والاطباء والمختصين في علم الجينات الذين التقيت بهم في مناسبات خاصة او مؤتمرات علمية يتحدثون عن مارت على انها العالمة التي اكتشفت الترايسومي 21 وانها امرأة عظيمة و هناك حيف قد لحق بها . في عام 1990 قابلت البروفيسور الدكتور هنري ليستراديه H. LESTRADET  ( 1921 – 1997 ) وهو عضو في اكاديمية الطب الفرنسية في مكتبه بناء على طلبه باعتباره مقرر وعضو لجنة مناقشة اطروحتي للدكتوراه. وبعد الانتهاء من بعض التفاصيل المتعلقة بالأطروحة حدثني بفخر واعتزاز عن الدكتورة مارت كوتْيَّه التي يعرفها جيداً فقد عمل ايضاً في مستشفى تروسو الذي شهد الاكتشاف وقال لي مبتسماً ساقص عليك هذه الحادثة عن مارت : " في احد الايام وبينما كنا نحن الاطباء في احدى القاعات للاستماع الى محاضرة دخلت مارت على عجل متأخرة قليلاً وجلست خلفنا بالمؤخرة وقالت لنا وهي فرحة " لقد وجدت كروموسوم اضافي عند عينة لمريض وعدد الكروموسومات هو 47 بدلاً من 46 " فضحكنا غير مصدقين وتصورنا انها تمزح. هذه شهادة تاريخية من قبل عالم عاصر الاكتشاف اذكرها هنا لأول مرة وهي تثبت بما لا يقبل الشك ان الدكتورة مارت كَوتْيَّه هي صاحبة الاكتشاف. وكان يجدر ان يكون اسمها هو الاول في البحث المنشور ، وموضوع تسلسل الاسماء في البحوث يطرح ايضاَ مشكلة اخلاقية وادبية لا يمكن تجاهلها. ويحظرني الان مثل حدث لي عام 1978 عندما كنت في العراق وبعد الانتهاء مباشرة من كتابتي لأطروحة الماجستير. جاءني المشرف على الاطروحة الدكتور عزيز الخياط  ( رئيس فرع الفارماكولوجي ) ورجاني ان اوافق على وضع اسمه اولاً واسمي ثانياً في احد بحوث الاطروحة والسبب الذي ذكره هو انه يريد ان يشارك به في المؤتمر العالمي السابع للفارماكولوجي (علم الصيدلة والعقاقير) المزمع عقده في تموز من عام 1978 في باريس، وحسب قوله ان من يشارك ويلقي البحث عليه ان يكون الموقع الاول على الدراسة. لقد وافقت في حينها وبمحض ارادتي على ذلك وصدقت كلامه فقد كنت مبتدئاً ، وظهر لي بعد ذلك انه ممكن المشاركة في المؤتمرات حتى وان كان تسلسل الاسم ليس الاول.
 
الفاتيكان يتحرى:

 ان البروفيسور جيروم لوجن الذي طارت شهرته الى بقاع العالم  وكما جاء سابقاً قد توفى في عام 1994. وفي عام 1996 تم انشاء مؤسسة " جيروم لوجن " ويترأسها الان زوج ابنة المتوفي وهو قاضي اما نائبة الرئيس فهي ارملة المتوفى وقد لعبت هذه المؤسسة دوراً في التصدي لكل من حاول قول الحقيقة من المختصين والمؤسسات العلمية و التي أخذت اعدادها تزداد يوماً بعد يوم.

في عام 2007 ، وبعد دراسة  وتقصي لعدة سنوات ، قررت الكنيسة النظر في "تطويب " جيروم  لوجن واحتمال اعطاءه لقب ديني عالي لا يعطى الا لمن لهم مكانة ترقى الى "القديسين " ،  وهنا برزت من جديد قضية الاكتشاف الشهير واشكالاته ومدى مصداقية هذا الرجل الى الواجهة. واستلمت الكنيسة رسائل عديدة ومن دول متعددة تطالب بالنظر بعين الاعتبار الى الشكوك التي تحوم حول الرجل المتوفى في موضوع اكتشاف مرض التراسومي 21 . ومن تلك الرسائل رسالة العالمة البريطانية باتريشيا جاكوب الى البابا ، وباتريشيا هي نفسها قد اكتشفت في عام 1950 احد امراض التشوهات الكرموسومية اي انها متابعة لموضوع اكتشاف مارت كَوتْيَّه للمرض ، وهي ايضاً قد توصلت الى نفس الاكتشاف عن الترايسومي 21 ولكن لم تستطيع نشره الا بعد فترة قليلة من نشر اكتشاف مارت كَوتْيَّه. تقول في رسالتها الى بابا الفاتيكان والتي ايدتها شخصيات بريطانية اخرى في علم الجينات " ان لوجن قد قدم نفسه مرتين على الاقل على انه المكتشف الوحيد للترايسومي 21 " ثم تضيف قائلةً  " ان عملية  تشويه الحقيقة التي قام بها الاستاذ لوجن يجب ان تدرس بشكل جدي خلال كل المناقشات التي قد تتم لاحتمال التطويب " المقصود الرتبة الدينية. وفي فرنسا فان عدة اطباء كاثوليك كتبوا الى جهات دينية عليا  (ابرشية ) في نفس الاتجاه. كما ان الدكتورة مارت كَوتْيَّه قد استدعيت من قبل الابرشية الباريسية لاستطلاع رأيها. والقضية لا تزال تحت الدراسة ويبدو انها قد حفظت بسبب التحفظات المذكورة اعلاه والتي جاءت من مصادر متعددة ومن بلدان مختلفة.
 
حملة تكميم الافواه وردود الفعل

اما في عام 2009 الذي صادف مرور 50 عاماً على الاكتشاف العلمي رسمياً عادت من جديد الى الواجهة المسألة "الاخلاقية" المتعلقة بالاكتشاف ولكن عودتها هذه المرة كانت بقوة : من هو المكتشف الرئيسي ؟ ولماذا هذا التعتيم على دور العالمة مارت كَوتْيَّه ؟ الم يحين الوقت لكشف الحقيقة وازالة اللبس ؟. فعندما تدخل الى موقع مؤسسة جيروم لوجن تجد الجملة التالية في مقدمة الحديث عن المؤسسة : " في عام 1959 ، اكتشف الاستاذ جيروم لوجن ، طبيب وباحث ، وبمساعدة مارت كَوتْيَّه ، سبب " الترايسومي 21 . " فهل هناك وقاحة وقلة ادب اكثر من ذلك ؟. يذكر اسم جيروم كأستاذ ، طبيب وباحث في ذلك الوقت اما الدكتورة مارت فيذكر اسمها المجرد دون لقب رغم انها كانت طبيبة ( بعنوان رئيسة عيادة ) وباحثة في علم الجينات قادمة حديثاً من جامعة هارفر بينما كان هو طبيب متدرب في علم الايونات الاشعاعية. ثم ان الجملة تقول انها ساعدته ولكن حسب ما تؤكده الحقائق والشهود ان العكس هو الصحيح.

في نفس هذا العام (2009 ) نشرت مجلة طب وعلوم مقالة للدكتورة مارت كَوتْيَّه تستذكر فيه تلك الفترة وتكشف فيها حقائق كثيرة اقتبست منها الكثير في مقالتي هذه ، والمقالة تحت عنوان " الذكرى الخمسون للتراسومي 21 ، عودة الى الاكتشاف. وفي نفس هذا العام ايضاً  قررت مستشفى " تروسو Trousseau " ان تضع لوحة تكريمية للعالمة مارت كَوتْيَّه وزملائها ، بمناسبة مضي  نصف قرن على الاكتشاف ، وذلك على جدار البناية التي شهدت ولادة مختبر مارت الذي اسسته بنفسها وكتب عليها الاسماء بالتسلسل الصحيح ( مارت كَوتْيَّه ثم جيروم لوجن و  ريمون تيربان ). المشكلة هي ان جيروم لوجن لا يزال " قوياً ويمتلك السلطة " حتى بعد موته بسبب المؤسسة التي تحمل اسمه وتملك امكانيات كبيرة فرئيسها وزوج ابنة المتوفي قاضي ويعرف كيف يكرس معرفته .

في مطلع عام 2014 تصاعدت قضية اكتشاف الترايسومي 21 من جديد وبشكل مكثف وتناولتها العشرات من الصحف اليومية الفرنسية والاجنبية وكذلك المجلات العلمية في الداخل والخارج وعلى شبكت الانترنت وسط جدال علمي واخلاقي وتصاعدت اصوات العلماء من اجل اعطاء العالمة الفرنسية حقوقها والاعتراف بانها هي صاحبة الدور الاولي في الاكتشاف  ، ومقابل ذلك تصاعدت الحمى في مؤسسة جيروم  لوجن الى حد اللجوء الى القضاء والطلب  بإرسال محقق عدلي لتسجيل وقائع مؤتمر علمي في مدينة بوردو ( مؤتمر الجمعية الفرنسية لعلم الجينات البشري ( /01/2014/ 30) والذي كان من المفروض ان تلقي فيه الدكتورة مارت كَوتْيَّه محاضرة عن الاكتشاف وان تستلم جائزة الجمعية الكبرى. وبما ان المؤتمر علمي وهناك ضغوط مالية ونفسية وليست عند منظمي المؤتمر الاموال الكافية لتكليف محامي للذهاب الى المحاكم ، فان منظمي المؤتمر اصابهم الخوف فهم غير متعودين على مثل هذه الاجراءات  فألغيت المحاضرة وسط ضجة من الاستياء و الاحتجاجات. ومن هنا انطلقت اقلام وحناجر الكتاب والاطباء والعلماء  في فرنسا وفي جميع انحاء العالم منددة بهذا التوجه العدواني السافر وهذه الاساليب غير المنطقية والتي تتسم بالعنف ضد مؤسسات علمية رزينة وذات مكانة عالية ، ومحاولة كم افواه العلماء وهذا ما لم تألفه تلك الاوساط الطبية والعلمية ، ومن تلك المقالات مقالة كانت تحت عنوان جميل " رائدة الى الابد " والمقصود هنا بالطبع الدكتورة مارت كَوتيَّه.

عام يتوج بتكريم المكتشفة وقبولها به

وفي يوم 18 ابريل من عام 2014 صدر مرسوم جمهوري تقرر فيه منح العالمة الدكتورة مارت كَوتْيَّه وسام الشرف وهو من اعلى الاوسمة وقررت في هذه المرة قبول الوسام بعد ان رفضته مرتين ( مرة بعد الخروج الى التقاعد مباشرة  ، وكنت على علم بذلك ،ومرة اخرى بمناسبة مرور نصف قرن على الاكتشاف ) ، قبلت الوسام تعبيراً عن سخطها من وقاحة وتمادي مؤسسة جيروم ليجون. اما وسام الشرف هذا فهو بمثابة اعادة اعتبار واقرار بدورها الرئيسي في اكتشاف الترايسومي 21 . وقد استلمت الوسام في احتفال اقيم لهذا الغرض في يوم 16 ايلول 2014 في مستشفى تروسو TROUSEAU  وهو نفس المستشفى الذي شهد انشاء اول مختبر لزرع الخلايا واجرت فيه تجاربها التي توجت بالاكتشاف الكبير وهذا له دلالاته الكبيرة ورسالة واضحة الى مؤسسة جيروم ليجن. اما من تفضل بتسليم الوسام فهو استاذة الشرف  " كلودين هيرمان " وعضوة مؤسسة لجمعية " المرأة والعلوم " ، وهذا ايضاً له دلالاته لان المنظمات العلمية والمدنية لحقوق المرأة في فرنسا وفي بلدان اخرى كانت تتابع قصة الاكتشاف وقدمت بعض الادلة التي يستدل منها ان تغييب وتجاهل دور مارت الرئيسي وسلب حقوقها كان من احد اسبابه التمييز بين المرأة والرجل ، وهذا في نظري شيء لا يستهان به. يجدر بالذكر ان وسام الجمهورية الفرنسية الممنوح للدكتورة مارت كَوتْيَّه هو " وسام جوقة الشرف بدرجة ضابط " وقد استثنت الدكتورة من شرطين اساسيين لنيله الاول هو ان هذا الوسام لا يمنح عادة لمن تجاوز عمره الثمانون وكان عمرها عندما منحت الوسام 88 سنة ( اطال الله عمرها ) ، الاستثناء الثاني هو ان الوسام بدرجة ضابط لا يمنح الا بعد المرور او الحصول على وسام جوقة الشرف بدرجة فارس.

ورغم ان التكريم جاء متأخراً ، وبعد مصاعب ومتاعب تعرضت له العالمة الفاضلة مارت كَوتْيَّه Marthe Gautier  ، الا انه دليل على ان الحقيقة لا بد ان تظهر والشمس لا بد ان تسطع ولا يمكن التعتيم عليهما الى الابد. فرغم مرور اكثر من 50 عاماً على هذه القضية ومحاولات مؤسسة جيروم لوجن العنيفة  لطمس الوقائع فان القضية لم يصيبها النسيان بل كانت تتفاعل وتزداد وتكبر بمرور الزمن ويوماً بعد يوم من قبل الاوساط الطبية والعلمية التي تطالب بتصحيح المسار والاعتراف بدور مارت الرئيسي والحازم في الاكتشاف. وانا شخصياً دخلت على مواقع متعددة ومتخصصة في شبكة الانترنت وقرأت مقالات وكتابات عديدة فوجدتها تسير في هذا الاتجاه الصحيح وبات اسم الدكتورة العزيزة مارت يذكر كرائدة وصاحبة الدور الاول والرئيسي في اكتشاف الكروموسوم الاضافي والزائد في مرض الترازومي 21 .

تحية اكبار الى الرائدة العالمة القديرة مارت كَوتيّه Marthe Gautier  على هذه الشجاعة وعلى هذا الصمود الهادئ والرزين من اجل اظهار الحقيقة فقد دخلت التاريخ مرتين من اوسع ابوابه المرة الاولى عندما اكتشفت (التراسومي 21) TRISOMY 21 عام 1958 وتعود الان لدخوله من جديد منتصرة بمعركة سندها هذا الكم الهائل من العلماء والاطباء والكتاب والمؤسسات التي وقفت معها...مع الحقيقة ومع التاريخ. تحية الى مارت كَوتيَّه المناضلة والمدافعة عن حقوق المهاجرين اينما حلوا.
 
يمكن للقارئ الرجوع الى الانترنت لمعرفة مسيرة مارت كَوتْيَّه ( اطال الله عمرها ) وهي متوفرة في الانكليزية والفرنسية . ادرج ادناه الميداليات والأوسمة التي حصلت عليها عالمتنا القديرة :

-Prix Winslow, Copenhague ( 1971)
-Prix Monthyon de l’Académie des Sciences –Institut de Frace ( 1975)
-Grand prix de génétique humaine de la Société française de génétique humaine et de la fédération française de génétique humaine pour la mise en évidence des  47 chromosomes dans la trisomie 21 ( 2014 ) .
اي الجائزة الكبرى لعلم الجينات البشرية الممنوحة من الجمعية الفرنسية لعلم الجينات و الفيدرالية الفرنسية لعلم الجينات لاثباتها وجود 47 كروموسوم في مرض التراسومي 21
-Officier de la légion d’honneur ( 2014)
اي وسام جوقة الشرف من درجة ضابط صادر بمرسوم جمهوري وموقع من رئيس الجمهورية عام 2014 .
 
 
نعمان
في يوم الخميس المصادف 18-01-2018
ليس لديك الصلاحية لمشاهدة المرفقات
آخر تعديل بواسطة د.نعمان في الجمعة يناير 19, 2018 9:44 pm، عدل 6 مرات
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1451
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: Dr.Marthe Gautierتجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَّ

مشاركةالخميس يناير 18, 2018 10:52 pm


ان كل ما جرى طبيعي وليس غريب , بل الغريب هو سذاجة العالمة مارت كوتيه التي سلمت كل أصليات البحث الى شخص هي ليست على درجة كبيرة من الثقة به . القانون لا يحمي المغفلين , والعالمة مارت كانت هنا بموقع المغفلة تماما . قبل ايام كنت اتحدث مع صديق لي عن بعض الأخطاء الجسيمة التي اقترفتا بحياتي , وخلال حديثي قلت لصاحبي باني خلال مراحل حياتي المختلفة التقيت بأشخاص يفهمون الحياة بكل دقة وتفصيل ويعرفون ماذا عليهم ان يفعلوه , ويعرفون كيف يغتنمون الفرص ويعرفون كيف يخططون للوصول الى غاية وضعوها في بالهم . هؤلاء الاشخاص تماما كالطبيب جيروم الذي يستطيع ان يرى بواسطة جميع حواسه , ويستطيع ان يسخر عقله مهما كان بسيطا في التخطيط للوصول الى الغاية التي يريدها , وقد نجح بشكل باهر للوصول الى مبتغاه . مثل هؤلاء يتعاملون مع الاشياء وكأنهم لم يولدوا من بطون أمهاتهم , بل يتصرفون وكأنهم قد عاشوا حياتات وحياتات متعددة حتى وصلوا الى الخبرة التي بلغوها .
شكرا على هذا الموضوع القيم والمفيد أخي العزيز د. نعمان .
صورة
صورة العضو الشخصية
Wisam Alshalchi
رئيس الهيئة الادارية
رئيس الهيئة الادارية
 
مشاركات: 3787
اشترك في:
الخميس أغسطس 30, 2012 3:35 pm
مكان:
الاردن , الولايات المتحدة
  

Re: Dr.Marthe Gautierتجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَّ

مشاركةالجمعة يناير 19, 2018 10:50 pm


الصديق العزيز د. نعمان شكرا على اطلاعنا على ماتعرضت له جهود الدكتورة مارت كوتيه في اكتشاف السبب الحقيقي لمرض متلازمة داون من سرقة واجحاد لحقوقها   من قبل زميل لها وتدوين الاكتشاف باسمه . ويبدو ان المجتمعات العلمية  مهما تسلقت قمم الاكاديمية لكن ايضا يتم فيها سرقة جهود باحثين افنوا زهرة شبابهم .  
ففي مجال آخر وهو قصة اكتشاف الدكتورة روزاليندا 
فرانكلين لشكل جزيء الDNA المختصة في الكيمياء الفيزياوية  قامت بالتقاط صور بواسطة

اشعة اكس لبلورات وجزيئات مواد عديدة كالفحم والكاربون وDNA  قد حصل من غمط حقوق لمكتشف شكل الجزيء   مشابه لما تعرضت له جهود الدكتورة مارت كوتيه 
وفيما يلي تقرير موجز عن الموضوع الخاص بالعالمة روزاليندا فرانكلين :    





ولادتها : لندن / إنكلترا : تموز 1920 / 25
وفاتها : لندن / إنكلترا : نيسان 16 / 1958
على الأرجح أنه لايوجد امرأة عالمة يحيط بمسيرتها العلمية وبحياتها جدليات ونزاعات مثل روزاليندا فرانكلين. فرانكلين كانت بدورها مسؤولة عن الكثير من البحوث والتجارب التي ساهمت في فهم البنية الجزيئية للحمض الريبي منزوع الاكسجين ( ال دنا ) . إن قصة اكتشاف البنية الجزيئية للدنا هي حكاية مطولة من المنافسات والمؤامرات، إحدى هذه القصص رويت في كتاب جيمس واطسون ( الحلزون المزدوج )، وأخرى رويت في دراسة ان سير ( روزاليندا وجزيء الدنا).
ان كل من جيمس واطسون وفرانسيس كريك و ماريوس ويلكينس قد فازوا بجائزة نوبل لتقديمهم نموذج حلزوني مضاعف ممثل لبنية الدنا وذلك بعد أربعة أعوام من موت فرانكلين بسرطان المبيض.
فرانكلين برعت في العلوم وحضرت في إحدى مدارس الفتيات في لندن التي تعلم الفيزياء والكيمياء.
عندما بلغت ال 15 قررت أن تصبح عالمة لكن والدها كان معارضاً لفكرة أن تتابع المرأة تعليمها العالي واراد لروزاليندا أن تكون عاملة اجتماعية.
في النهاية أذعن والدها لرغبتها وهكذا التحقت روزاليندا بكلية نوينهام (كامبريدج ) 1938، وتخرجت عام 1941.
شغلت منصباً في زمالة التدريس لمدة عام ولكنها استقالت عام 1942. لتعمل في جمعية (بحوث استخدامات الفحم) البريطانية حيث وضعت دراسات أساسية في البنية المجهرية للكربون والجرافيت.
هذه البحوث كانت ركيزة أساسية في نيلها للدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية من جامعة كامبريدج عام 1945.
بعد كامبريدج قضت ثلاث سنوات مثمره في مختبر الدولة المركزي الخاص بالخدمات الكيميائية الموجود في باريس حيث درست أساليب ونماذج انحرافات الأشعة السينية.
بعد ذلك عادت إلى إنكلترا كمساعدة في البحوث التي كانت تجرى في مخبر جون راندل في الجامعة الملكية لندن.
هنالك في مختبر راندال تقاطع طريقها لأول مرة مع ماريوس ويلكينس، حيث أنه كل من روزاليندا وماريوس قاما بمشاريع بحثية مستقلة مع مجموعات بحثية مستقلة على الرغم من أنهما شغلا الإختصاص نفسه وهو ال دنا .
عندما منح مخبر راندال فرانكلين الوصاية على مشروعها لم يكن أحد قد سبق وعمل عليه من قبل في هذه الأثناء كان ويلكينس بعيداً ولكنه عندما عاد أساء فهم الدور الذي لعبته فرانكلين. إذ اعتقد بأنها مجرد مساعدة تقنية، ولكن حقيقة كلا العالمين كانوا أنداد لبعضهما، غلطته _ المعترف فيها ولكن ليس بالشكل الطاغي _ لم تكن مُفَاجِئة نظراً لوضع النساء في تلك المنطقة. حيث كان مسموح للرجال فقط بغرف الطعام في حرم الجامعة وبعد ساعات من العمل كانو زملاء فرانكلين يذهبون لحانات الرجال فقط.
برغم هذا كله استمرت فرانكلين بإلحاح وتصميم بالعمل على مشروعها ال دنا، (جي دي برنال ) دعى صورها المأخوذة بالأشعة السينية لجزيء ال دنا : " أجمل صور بواسطة الأشعة إكس من بين جميع المواد يلي تم تصويرها ع الإطلاق" . بين 1951 و 1953 أصبحت فرانكلين قريبة جداً من فهم التركيب الجزيئي لل دنا.
استطاعا كريك و واتسون سبقها لنشر البحث بسبب خلافها مع ولكنز. ولكنز كان قد سرب لواتسن صور التركيب البلوري للحمض النووي التي اخذتها فرانكلين. عندما رأى واتسن الصور كان شكل الحمض النووي النهائي قد تبين له، ومن ثم نشر النتائج بمقالة بمجلة Nature العلمية، بينما بحوث فرانكلن نُشرت بنفس المجلة على انها مقالات داعمة لبحث واتسن.
جدل مستمر حول مقدار الإئتمان المُعزى إلى فرانكلين. لكن ما هو واضح هو أنه كان لها دور مفيد ومساهم في معرفة بنية الحمض النووي وأنها كانت عالمة من الدرجة الأولى. انتقلت فرانكلين إلى مختبر جي دي برنال في كلية بيركبيك، حيث قامت بعمل مثمر جداً على فيروس تبرقش التبغ . كما أنها بدأت العمل على فيروس شلل الأطفال. في صيف عام 1956، أصيبت روزاليند فرانكلين بمرض السرطان. توفيت بعد أقل من عامين.   


   
صورة

                الدكتورة روزاليندا فرانكلين

     
صورة
صورة العضو الشخصية
فاضل الخالد
ذاكرة المنتدى ونهره المعطاء
ذاكرة المنتدى ونهره المعطاء
 
مشاركات: 784
اشترك في:
الأربعاء ديسمبر 05, 2012 6:23 pm
  

Re: Dr.Marthe Gautierتجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَّ

مشاركةالسبت يناير 20, 2018 1:19 pm


مقال جميل...نشكر  الد\ نعمان علي  الشرح والتفاصيل  لاكتشاف سبب هذا المرض ونأسف علي  سرقة مجهود العلماء وضياع حقوقهم الأدبية. وغالبا مايكون البقاء لذوي الصوت الأعلي و ذوي السلطة... وأحب توضيخ شيئا فرعيا لموضوع حضرتك المحترم وهو أن النساء لهن أيضا اكتشافات من ايام العالمة المصرية هيباتيا التي قتلت ... رغم علمها ونظرياتها المختلفة علي يد متطرفين دينيا.... ونشكر العالمة الطبيبة المقاتلة مارت كوتيه . وأحب أن أضيف شيئا بسيطا لهذا المرض 

الأعراض:
- صغر حجم الرأس

- قصر القامة

- دقة ملامح الوجه

- العين منحرفة للأعلى

- الأنف صغير ومسطح

- راحة الكف تحوي خطاً واحداً في الغالب

- ضخامة حجم اللسان وبروزه

- تسطح الرأس من الخلف

- غالباً ما تكون اليدان قصيرتان وعريضتان


صورة

صورة

- ضعف في العضلات
صورة
صورة العضو الشخصية
doaa khairalla
عنوان العطاء المتميز
عنوان العطاء المتميز
 
مشاركات: 4318
اشترك في:
الثلاثاء أكتوبر 22, 2013 9:04 pm
  

Re: Dr.Marthe Gautierتجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَّ

مشاركةالسبت يناير 20, 2018 8:48 pm


الأستاذ العزيز وسام الشالجي

أشكرك على هذا التعقيب وكلامك صحيح بدليل انها تقول في احدى المرات انها كانت ساذجة في ذلك الوقت ( قرأت هذا في احدى المقالات المنشورة ) كما انها كانت تعين عائلة كبيرة وتحمل هموم حياتية فوق طاقة شخص واحد  ، وهي  امرأة في زمن كان فيه التمييز وعدم المساواة بين المرأة والرجل كبيراً وهذه حقيقة تمس كل نساء العالم وان كانت اقل بالنسبة الى الدول الاسكندنافية. وهناك حالتين منفصلتين لمرأتين حرمتا من جائزة نوبل للطب وبدلاً منهما حصل عليها رجلين رغم ان دورهما  كان ثانوياً ودور المرأتين كان رئيسي في اكتشافين منفصلين ، وهذا ما تناقله كتاب في معرض دفاعاهم عن الدكتورة مارت كَوتْيَّه وكمثال عن التميز بين الجنس ، وقد شرح الاستاذ العزيز والصديق الصدوق فاضل الخالد مشكوراً احدى تلك الحالتين بالتفصيل في مشاركته السابقة.

ان المقالة التي نشرتها البارحة كنت قد كتبت مسودة جزء منها  قبل اكثر من عام وكتابتها الكاملة والنهائية اخذت مني اسبوعاً كاملاً . ورغم انها في اللغة العربية ، فقد كنت انتقي العبارات والكلمات والاحداث والتواريخ بعناية مراعياً في ذلك الحقيقة و حقوق ومشاعر الرائدة المكتشفة من جهة ، وتجنبت استخدام الكلمات التي قد تكون جارحة او تثير الطرف الاخر او قد تفسر ضدي لو قدر لمؤسسة جيروم لوجن قراءة المقالة  ( حتى وان كانت بالعربية ، من يعلم ربما لديهم مترجم ). وكان بإمكاني استخدام "كلمة" كانت تجري على افواه كل العارفين بالموضوع بوصف ما جرى ولكني لم افعل ذلك كي ابقى موضوعياً ومنطقياً وهو الاسلوب الاصح والمثمر.

النقطة الاخرى التي تتعلق باهمية الاكتشاف هي مهمة جداً لان اكتشاف التثلث الصبغي 21 ( اي اصل المرض المنغولي سابقاً ) وتوثيقه كان له خصوصيته ولم يكن عادياً ومختصراً على الاصالة فقط ، وكما قلت واعيده الان انها كانت المرة الاولى في تاريخ الانسانية يتم فيها تشخيص و اثبات العلاقة ما بين التخلف العقلي  والخلل الكروموسومي وايجاد تفسير بايولوجي لذلك وهذا بحد ذاته قد فتح الابواب على مصاريعها لاكتشافات تغيرات وتشوهات جينية جديدة بفضل العلم الجديد السايتوجنتك والتقدم التكنولوجي. مما ادى الى تثبيت امراض جينية كثيرة لم تكن معروفة بالسابق ( تعد الان بحوالي 6000 مرض جيني ) ، وفتح الافاق الى التشخيصات والمسوحات التي لها اهمية قصوى في علم امراض الجينات التي تفتقر الى العلاج . اذ لا يوجد علاج خاص للامراض الجينية الناشئة عن خلل في الكروموسومات مما يعطي لتشخيصها وللمسوحات الممكن القيام بها مبكراً دوراً مركزياً من اجل تفاديها او تقليل اضرارها.

مع تحياتي

نعمان
آخر تعديل بواسطة د.نعمان في السبت يناير 20, 2018 9:37 pm، عدل 1 مرة
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1451
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: Dr.Marthe Gautierتجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَّ

مشاركةالسبت يناير 20, 2018 9:06 pm


الاستاذ القدير فاضل الخالد

لقد احسنت صنعاً يا صديقي العزيز بنشر وتفصيل حادثة العالمة الانكليزية اللامعة روزالندا فرانكلين Rosalind Franklin  وهاذا هو افضل مثال عن الاستيلاء على اكتشاف هام لامرأة من قبل زملائها الرجال و حصولهم على جائزة نوبل بدلاً عنها. وقد صدرت مقالة في عام 2016 تصف العالمة مارت كَوتيه بانها " روزالندا فرانكلين فرنسا " باعتبار ان ما حدث لمارت مشابه لما حدث لروزالندا.  وهناك حادثة اخرى شهيرة واقدم من الاولى وتتعلق بالعالمة نيتي ماريا ستيفن ( Nettie Maria Stevens ) المتخصصة في علم الجينات التي اكتشفت في عام 1905 الكروموسوم Y ودوره في تحديد الجنس وبعد موتها في عام 1912  نال مديرها "وسارقها" توماس مورغان ، الذي كان في السابق لا يؤمن بالاكتشاف ، بجائزة نوبل بدلاً عنها.

وقد وجدت البارحة مقالة تتحدث عن سبعة نساء كانت تستحق جائزة نوبل في مجالات مختلفة ، ولكن اعمالهن قد سرقت من قبل الرجال فنالوا هم الجائزة بدلاً عنهن.

مع تحياتي

نعمان
آخر تعديل بواسطة د.نعمان في السبت يناير 20, 2018 9:38 pm، عدل 1 مرة
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1451
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: Dr.Marthe Gautierتجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَّ

مشاركةالسبت يناير 20, 2018 9:29 pm


الاستاذة الفاضلة والأخت العزيزة دعاء خير الله

شكراً على متابعتك ومشاركتك في الموضوع  ونشر الصور المعبرة و بعض اعراض المرض التي لم ادونها في المقالة كي لا تكون الاخيرة طويلة. وشكراً على تذكيرنا بمأساة عالمة الرياضيات الفيلسوفة المصرية هباتيا ( Hypatia of Alexandria, 350 - 415 ) التي عاشت في القرن الرابع ميلادي والتي ربما كانت من اولى ضحايا المعرفة من النساء في العصور القديمة.

ان تغييب المرأة وتجاهل دورها في مجالات مختلفة مثل العلوم والاداب والفنون والثقافة والاجتماع والسياسة يعتبر عار في تاريخ " الرجل " الذي هو المسؤول الاول عن ذلك فهو وحده الذي يستغل سلطته وتحكمه في القوانين وأمور الحياة .

ومنذ استحداث جائزة نوبل عام 1901 فان 833 رجل قد حصل عليها مقابل 33 امرأة !! فهل يصح و يعقل هذا ؟. ومن الاسباب الرئيسية لذلك هو ان المرأة في بداية القرن العشرين لم تتمتع بالتسهيلات ( كي لا اقول انها كانت محرومة او ممنوعة ) لولوج المجالات العلمية. ومنذ عام 1976 تم تصحيح هذا الامر غير العادل في بعض البلدان الاوربية ولكن لا تزال الامور صعبة لمجموعة كبيرة من النساء المحرومات من ولوج مختلف مجالات العلوم .
مع تحياتي
 
نعمان
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1451
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: Dr.Marthe Gautier تجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَ

مشاركةالاثنين يناير 22, 2018 5:50 pm


لماذا تكون الفرصة اكبر لظهور اعراض متلازمة داون لدى اطفال امهاتهم من المتقدمات في العمر؟
ففي النسب المعروفة لهذه الحالة المرضية والمعروفة ايضا باسم الترايوسومي 21 او متلازمة داون تكون نسبة ولادة طفل يحمل اعراض المتلازمة  طفلا واحدا لكل 1000 طفل اذاكانت الام بعمر الثلاثين عامااما اذا كان عمرها 38 عاما فتكون النسية 1الى 178 اما لدى الام بعمر الخمسين عاما تصبح النسبة 1الى 50 . ولما كان ظهور معظم الحالات لهذه المتلازمة مرتبطا بزيادة كروموسوما واحدا عن العدد الطبيعي للكروموسوم رقم 21 في الانسان اي يصبح ثلاثة من هذا الكروموسوم بدلا من اثنتين وهو عدده الطبيعي في كل خلية من خلايا جسم الطفل  (ان عدد ازواج كروموسومات الانسان الاعتيادي هو 23 زوجا وفردا الزوج الواحد احدهما من الاب والآخر من الام) ان سبب الزيادة ان وجدت مرجعه الى ان الاختلاف في توقيت بدء عمليات نضج البيوض عند الانثى عنه عند الرجل ففي الرجل تبدا جميع عمليات  نضج النطف بشكل اعتيادي مع سن البلوغ . اي ان النطف لا تستغرق وقتا طويل قياسا الى بيوض الانثى التي تبدا بعمليات النضج وهي لازالت جنينا في رحم امها علما ان تلك البداية هي انها تدخل في الانقسام الاختزالي الاول وتتوقف عند طوره الاستوائي والذي فيه كل كروموسومين متماثلين يتقابلان في منطقة استواء مغزل الانقسام وبحصل اندماج مابينهما  وعند البلوغ (الاباضة) يستكمل الانقسام الاختزالي الاول وتدخل في الانقسام الثاني وتتوقف خلية البضة عند الطور الاستوائي الثاني اي كل كروموسومين متماثلين متقايلان ومتحدان في بعض المناطق وبعد الاباضة وتحرر خلية البيضة من المبيض الى قناة فالوب اذا وجدت نطفة فيتم الاخصاب وستكمل بقية اطوار الانقسام الثاني والذي فيه ينفصل كل كروموسوم عن مثيله ولكن وجد ان في حالات العمر المتقدم للانثى لا ينفصل فردا الكروموسوم 21 عن بعضهما (يببدو لانهما الاصغر من بقية الكروموسومات الجسمية) فالجنين الناتج سيكون لدى خلاياه من الكروموسوم 21  ثلاثة كروموسومات 3 (2 من الام وواحد من الاب) مما يسبب ظهور اعراض المتلازمة عنده .
صورة
صورة العضو الشخصية
فاضل الخالد
ذاكرة المنتدى ونهره المعطاء
ذاكرة المنتدى ونهره المعطاء
 
مشاركات: 784
اشترك في:
الأربعاء ديسمبر 05, 2012 6:23 pm
  

Re: Dr.Marthe Gautier تجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَ

مشاركةالثلاثاء يناير 23, 2018 4:46 pm


اشكر الاستاذ العزيز فاضل الخالد الذي أغنى الموضوع بهذا الشرح وعلى تفاعله وتواصله المستمرين وخاصة بالمواضيع العلمية.


منذ ان رفعت الموضوع وانا اتصفح من جديد بعض المصادر والمواضيع المتعلقة بقضية اكتشاف " مارت كَوتيه " للترايسومي 21 وما لحق من حيف بكبار الشخصيات النسائية على مر العصور.


لقد دهشت لبعض الحقائق التي كشفت في السنوات الاخيرة والتي بقيت مجهولة على كثير من الناس ( وانا منهم ). اما من ابرز وكشف تلك الحقائق فهي مجلات علمية ومقالات جدية تتعلق بحقوق المرأة. وليس بعيداً ذلك الزمن الذي كانت فيه الكاتبة اللامعة وصاحبة الصالون الادبي الشهير " جورج صاند " تكتب باسم مستعار وتختفي باسم رجل. لقد قرأت مقابلة مع صحفية فرنسية متخصصة بالشخصيات النسائية اللامعة ( ومؤلفة كتاب عن هذا الموضوع ) تتحدث فيها عن ظاهرة " الاخفاء " والمقصود من ذلك هو اخفاء المرأة من التاريخ ، اما بتغييبها او تجاهلها او بتقليل دورها في الابداعات والاعمال الهامة او بسرقة اكتشافاتها وتذكر مثل الدكتورة " مارت كَوتْيّه " وتحدد ان اكتشافها قد سرقه زميلها و تذكر اسمه بالتحديد.

ولكن الجديد الذي كان خافياً علي وربما على كثير من الناس هو الامثلة الاخرى التي طرحتها في تلك المقابلة ومنها ان شقيقة الموسيقار الشهير " موزارت " واسمها " مانيرل موزارت " كانت اكثر موهبة وتعمقاً بالموسيقى من شقيقها الا انها غيبت واخفيت لصالح  اخيها بسبب الضغوط العائلية والدينية فالنساء ممنوعات من العمل في الموسيقى والطب في ذلك الوقت. كما ان العالمة الشهيرة " ماري كوري " التي اكتشفت كل شيئ ولكن زوجها " بْيَّر كوري "  الذي كان مساعداً لها في بحوثها هو الذي حصل على حصة الاسد من التكريم. ورغم انها قد حصلت على جائزة نوبل مرتين فان احدى محطات المترو كانت تحمل اسم زوجها فقط ، ثم صحح الخطأ واضيف اسمها فاصبحت المحطة تحمل اسم بير وماري كوري (Pierre et Marie Curie ). ولكن هل تعلمون متى تم ذلك التصحيح ؟ في عام 2007 ، اليس هذا عجيب وغريب في بلد اوربي متقدم مثل فرنسا !!!

مع تحياتي

نعمان
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1451
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

Re: Dr.Marthe Gautier تجربتي مع العالمة الرائدة مارت كَوتْيَ

مشاركةالسبت يناير 27, 2018 9:44 pm


ذكريات وخواطر

القسم الثاني

تجربتي مع الدكتورة مارت كَوتْيّه

Dr. Marthe Gautier

المشرفة على اطروحتي للدكتوراه

وكما وعدتكم ها انا ذا أخص منتدانا العزيز " أيامنا " بنشر القسم الثاني من المقالة. لقد تحدثت في القسم الاول عن الدكتورة مارت كَوتْيّه مكتشفة اصل مرض الترايسومي 21 او التثلث الصبغي 21 عام 1958 ، و وتوثيقه عام 1959  كأول مرض جيني تم تثبيته في العالم   ،  وما رافق ذلك الاكتشاف واعقبه من وقائع واحداث ومساجلات في الاوساط العلمية استمرت لعدة عقود وربما ستستمر اكثر. وفي هذا القسم الثاني سأتحدث عن ذكرياتي عن هذه العالمة الفاضلة ، التي ستدخل قريباً عامها الثالث والتسعون .

 
التعارف والبدايات :

لقد حالفني الحظ في التعرف على الدكتورة مارت كَوتْيّه ( 1925 -     ) عندما قادتني الفرصة للعمل معها مدة سبعة سنوات  ( 1983 – 1990 )  من ضمنها فترة لإجراء دبلوم العلوم المعمقة ثم أعقبتها اطروحة الدكتوراه. فبعد عام ونصف من العمل كباحث في المدرسة الوطنية للطب البيطري في المنطقة الباريسية ( في فرنسا توجد 5 مدارس فقط لتدريس الطب البيطري والمتخرج يمنح درجة دكتوراه ) ، تلاها عاماً من العمل في عيادة بيطرية تملكها زوجة زميل لي (  لعلاج وتلقيح الكلاب والقطط وهذا ما لم يثير اهتمامي كثيراَ ) ، وصل الى علمي ان مديرة بحوث تبحث عن شخص بمواصفات معينة للالتحاق بفريقها و لإنجاز دراسة عاجلة. فكان ان اتصلت بها ثم قابلتها فعلمت انها طبيبة اطفال مختصة بامراض القلب ، اسمها  " مارت كَوتْيّه Marthe Gautier " وترأس فريق عمل في المعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية. وكان مقر عملها يقع في مستشفى الكرملن بيستر ( Le Kremlin-Bicêtre ) في ضاحية قريبة من باريس.

 أعطتني نبذة موجزة عن برنامج عملها العام الذي يتعلق بأمراض الاطفال الرضع
الذين لا يتحملون شرب الحليب ولديهم مشكلة في تمثيل السكر البسيط مثل الجلاكتوز والفركتوز ، وهي امراض جينية سببها خلل انزيمي وخاصة مرض الجلاكتوسيميا. ولكن بحوثها الحالية هي اكاديمية لدراسة تأثير ثلاثة انواع من السكر السداسي البسيط  ( الجلوكوز Glucose  ، الفركتوزFructose  والجلاكتوز Galactose  ) على نمو الخلايا الجلدية من نوع الفايبروبلاست ( Fibroblasts ) وفعاليات الايض  في الزروعات المختبرية. ولكنها تريد في البداية ان تكلفني القيام  بدراسة مادة اسمها اي بي اف (  IBF  ) صنعتها احدى الشركات المتخصصة بصناعة الاوساط الزرعية ، لتحفيز الخلايا على النمو والتكاثر السريع عندما تضاف الى الوسط الزرعي للخلايا ، مما يتيح الحصول على اكبر عدد ممكن من الخلايا في فترة زمنية قصيرة  ، وبالتالي الاسراع في اجراء الفحوصات على عينات الخلايا . والشركة تريد التأكد من فاعلية المادة  وعدم وجود اثار جانبية سلبية على نوعية الزروعات قبل تصنيعها وتسويقها الى المختبرات. فقمت بذلك العمل الذي اثمر عن نتائج ايجابية  ادت الى توسيع وتعميق الدراسة والقيام بتجارب جديدة كانت ناجحة ومرضية .
 
وفي البداية لم يطرق سمعي اي شيء عن موضوع اكتشاف "مارت"  للترايسومي 21  ، ولكن استطعت التعرف عن قرب على مجالات بحوث المختبر و على فريق العمل الذي انسجمت معه وكونت علاقات طيبة مع اعضاءه. لقد اعجبني برنامج الدكتورة مارت كَوتْيّه واثار اهتمامي فاتفقنا على ان استمر في العمل معها والمشاركة في بحوث المختبر الاخرى لقاء راتب شهري ، وفي نفس الوقت الاستفادة من طبيعة عملي للقيام بدراساتي العليا وفقاً للنظام الدراسي الفرنسي الذي يختلف عما هو موجود  في انكلترا او في الولايات المتحدة . ولم اوافق على مقترح اعفائي  من أداء دبلوم الدراسات المعمقة وهي الحلقة التي تسبق القيام باطروحة الدكتوراه في فرنسا ، بل اصررت على اداء كلا الدراستين كي اقنع نفسي من انني قد اتبعت النظام الدراسي هنا بالكامل ومن اجل تجنب اي اشكالات قد تقع مستقبلاً.

 
البحوث والدراسات :
 
كان موضوع اطروحة دبلوم الدراسات المعمقة في نظري شيق ومثير رغم كونه اكاديمي بالدرجة الاولى ويأخذ وقتاً طويلاً وكان يتناول مقارنة تأثير السكر البسيط بثلاثة انواعه  الجلوكوز ، الفركتوز والجلاكتوز على  دورة حياة خلية ( Cell Cycle ) الفايبروبلاست الجلدية عند الاطفال. ان دورة حياة الخلية وباختصار تتكون من المراحل التالية (( الفترة الفاصلة الاولى او الثغرة الاولى ( G1- G0 ) فمرحلة تكوين الحمض النووي ( S  ) ثم الفترة الفاصلة الثانية اوالثغرة الثانية  ( G2 ) واخيراً الانقسام ( M ) بأطواره الاربعة المعروفة )).  كانت الدكتورة مارت كَوتْيّه تحب الدقة والمصداقية في العمل ومهتمة جداً في ان يكون موضوع البحث اصيل وباتباع احدث الطرق والاجهزة العلمية. لذا وقع الاختيار على اتباع ثلاثة طرق عمل مختلفة متممة الواحدة للاخرى ولها اهمية مشتركة . الطريقة الاولى الكلاسيكية القديمة لقياس المدة الزمنية الكلية لدورة حياة الخلية ومدة كل مرحلة من مراحلها وذلك من خلال وضع علامات على الخلايا ومتابعة الدورة وقياسها كل ساعتين.  الطريقة الثانية بواسطة جهاز كان حديثاً في تلك الفترة يسمى جهاز " التدفق الخلوي " يسمح بقياس العدد الكلي للخلايا في كل مرحلة  من مراحل دورة حياة الخلية  في وقت ما . والطريقة الثالثة بواسطة جهاز اسمه  "سامبا " كان قد صنع حديثاً من قبل شركة طومسون الفرنسية في مدينة كَرينوبل (  Grenoble) وهو الوحيد في فرنسا وكان يسمح بقياس عدد الخلايا الكلي الموجودة في بداية او ومنتصف او نهاية  المرحلة الفاصلة الاولى او ما تسمى بالثغرة الاولى ( G1 )  وكذلك عند الخلايا النائمة  او في سبات وقتي ( G0  ) . قُدمَت اجزاء من هذه الدراسة في مؤتمرات عالمية في اليابان وألمانيا.
 
في هذه الفترة توطدت علاقتي مع مارت وأخذت اشارك في المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج واكتشفت عندها ( اي مارت ) جوانب انسانية مشرفة ومشرقة لا تنسى. اتذكر انني اصبت بوباء الأنفلونزا في اليوم الأول الذي كان من المفروض ان اجري فيه تجربتي الاولى لدبلوم الدراسات المعمقة ، ولاحظت مارت  تأثير المرض الحاد علي ( لسنا معتادين على الانفلونزا القوية هنا " التي لا تحب الاجانب ! " ) ، فطلبت مني العودة الى البيت للراحة وتركت هي ايضاً عملها واصطحبتني بسيارتها الى محل سكناي بعد ان توقفت في الطريق امام صيدلية واشترت لي بعض الادوية اللازمة لتخفيف حدة اعراض المرض ، وهو موقف لا يمكن ان انساه. وفي تلك الفترة ، وبعد ان سمعت من حولي الكثير عن قصة اكتشافها لمرض الترايسومي 21 سألتها عن ذلك الاكتشاف فحدثتني عنه قليلاً وفي اليوم التالي جلبت لي البوم صور لمناسبات تتعلق بالموضوع ومنها صور تسلمها جائزة (Winslow ) ونسلو عام 1971 التي التقطت في السفارة الدانمركية ويبدو فيها البروفسور روبرت دوبريه ( ويسمى ابو طب الاطفال) يسلمها الجائزة . وكانت تلك هي المرة الاولى وربما الاخيرة التي حدثتني فيها عن الاكتشاف ربما لانها لا تحتفظ بذكريات طيبة عن تلك الفترة بسبب الحيف الذي لحق بها.
 
وبعد الحصول على الدبلوم مباشرة بدأت العمل على التجارب المختبرية للحصول على شهادة الدكتوراه. وكان موضوع الاطروحة معقد بعض الشيء ولكن هذا لا يمنعني من اعطاء فكرة  موجزة ومبسطة عن الجزء الابسط والمهم منها. اجريت دراستي على الخلايا الجلدية المأخوذة من اطفال يعانون مرض الجلاكتوسيميا (Galactosemia )  الذي ينشأ من نقص حاد في الانزيمين الاوليين الخاصين بعملية تمثيل السكر البسيط الجلاكتوز (Galactose  ) الموجود بسكر الحليب وتحويله الى الكلوكوز والى الجزيئات النهائية ليستفيد منها الجسم ، وهذا النقص يؤدي الى ارتفاع نسبة الكالاكتوز في الاعضاء الداخلية و التسمم به. النقص في الانزيم ناتج من خلل جيني ، و الهدف من الدراسة هو محاولة تصحيح هذا الخلل عن طريق الزروعات الخلوية ، ومن خلال خلط خلايا المريض المصاب بالخلل في النزيم الاول ( Galactokinase  ) ومزجها مع خلايا المريض المصاب بخلل في الانزيم الثاني ( Uridyl-transferase ) ، اضافة الى استخدام الكونترول. عملية التحام الخلايا تتم بمساعدة مادة كيمياوية خاصة ( PEG ) تضاف الى تلك الزروعات و تقوم بدور فتح اغلفة الخلايا و اختلاط محتوياتها السايتوبلازمية والنووية  ، بما في ذلك الكروموسومات ، ثم انقسام تلك الخلايا الجديدة وولادة خلايا جديدة تحوي خليط من المحتويات الجينية لكلا المجموعتين ( خلايا المريضين ). وبعد تحليل الخلايا الناشئة من ذلك الخليط وكذلك الخلايا الطبيعية ( الكونترول ) اتضح ان مستوى الانزيمين في الخلايا الطبيعية هو 100% وان  مزج عدد مساوي من  خلايا المريض بخلل في الانزيم الاول ( الذي نسبته  0 % ) مع خلايا المريض بخلل في الانزيم الثاني ( الذي نسبته من 35 الى 75 حسب طبيعة الخلل والمريض ) يؤدي الى تصحيح للخلل بنسبة مقاربة الى نسبة الكونترول . فرحنا بنتائج تلك التجارب الاولية التي اجريت على عدد من المرضى والكونترول واحتفلنا بذلك. ثم قررنا بعد التداول فيما بيننا ان نجري تجربة جديدة  " ككنترول " اضافي و بنفس الظروف السابقة ولكن من خلال خلط خلايا المجموعتين دون اضافة تلك المادة الكيمياوية التي تفتح اغلفة الخلايا . واذا بنا نحصل على نفس النتيجة الاولى مما اوقعني في حيرة واصبحت ملزماً على اجراء تجارب اخرى جديدة . اثبتت تلك التجارب ان خلايا الجلد الفيابروبلاست ( Human Skin Fibroblasts  ) المزروعة تتصل فيما بينها من خلال  قنيوات او انابيب ميكروسكوبية دقيقة  تمتد بينها و تخترق اغلفتها وتشكل جسوراً ( Gap Jonction ) تمر وتتبادل من خلاله بعض الجزيئات والمواد ذات الحجم الملائم لتلك الفتحات ، ويسمح لها بالتعاون فيما بينها اما لاصلاح نقص معين او خلل كما هو الحال في تجربتي ( قبلة حب) او لنقل عامل مرضي  ( قبلة الموت ) في حالات اخرى. وظاهرة هذا التعاون من خلال القنوات الدقيقة معروفة باسم ( Metabolic Cooperation ) . ومن المعروف ان خلية الفيبروبلاست المغزلية الشكل سهلة الزراعة ولكنها لا تستطيع ان تعيش وتنمو ان لم تلامس خلية اخرى وتتلاقى معها  فهي اذن بطبيعتها اجتماعية وتهوى العيش المشترك. فاذا حاولنا زرع بضعة خلايا متباعدة ( خمسة على سبيل المثال ) فانها تتنخر وتموت بعد وقت قصير اي بعد ان تمد اذرعها للالتقاء بخلية اخرى دون جدوى.
 
 وبالإضافة الى بحوث الدراسة  اجريت ايضاً دراسات اخرى مع الدكتورة مارت كَوتْيّه ومع باحثين آخرين في نفس المختبر و في مؤسسات علمية اخرى. ففي بداية وجودي في المختبر عرفتني " مارت " على مدير بحوث من اصل سويسري كان قد عمل لسنوات طويلة في الولايات المتحدة واسمه " د. فرومل D. Frommel " وهو انسان لطيف وذو اخلاق عالية وكان يكرر امامي عبارة " ان البحوث هي مملكة الصبر " وهو قول جميل وصحيح ويعطي الامل عندما تكون النتائج الاولية محبطة. وقد عرض علي القيام ببحث مهم عن مرض نزف الدم الوراثي  " الهيموفيليا  Hemophilia " ومحاولة معرفة موقع العامل الثامن للتخثر " Factor VIII " و الخلايا التي تنتجه . علماً ان نقص هذا العامل هو احد الاسباب الرئيسية لأحد اهم انواع الهيموفيليا. وأكدت نتائج الدراسة وجوده بشكل مكثف في الكبد وبنسبة اقل في الرئة والمشيمة وتم تحديد نوع الخلايا المتواجد فيها. وقد شاركني في هذا البحث ودراسات اخرى باحثة وطبيبة اطفال هي ( د. كلير ولفروم Dr. Claire Wolfrom ) تعمل مع فريق الدكتورة مارت كَوتيه  وكذلك مارت نفسها ، و نشر البحث في مجلة اوربية متخصصة بالموضوع. علماً ان تلك الدراسة  كانت مدعومة من قبل المركز الوطني لنقل الدم وحسبت لي ساعات عمل كباحث في المركز. استضافت مارت في احدى المرات صديق وبروفيسور زائر من جامعة هارفر الامريكية وعند عودته الى بلده زودنا بنوع من الخلايا " المحولة Transformed cells " . وقد اجرينا عليها دراسة وأخذنا لها صور جميلة ، ولما طلبت منه مارت الموافقة على ادراج اسمه في تلك الدراسة ، اعتذر بلباقة قائلاً انا اهديتكم الخلايا ولم اقم بعمل شيء معين فمن غير الانصاف وضع اسمي ،  فقالت لي مارت مبتسمة انه يرفض وضع اسمه. وقد قُدمت تلك الدراسة في مؤتمر الجمعية الاوربية لزراعة الانسجة المنعقد في النرويج عام 1985.
 
ومن ضمن ما قمت به في تلك الفترة التي قضيتها مع العالمة مارت كَوتيه ، وبطلب منها ومن البروفيسور ليمونيه ، هو مساعدتي لمختبر الكيمياء الحيوية المركزي لمستشفى الكرملن بيستروالذي يرأسه البروفيسور ، في انشاء وفتح مختبر للزروعات الخلوية وقيامي بتدريب " موظفة تقنيه Technician " لقاء راتب شهري.
 
وخلاصة تلك الفترة من الدراسات هو انني قمت او ساهمت بتسعة بحوث نشرت في مجلات علمية عالمية و 20 دراسة قدمت في مؤتمرات عالمية في النرويج ، اليابان ، المانيا ، فرنسا ، بلجيكيا ، المملكة المتحدة ، الولايات المتحدة الامريكية ، بولندا و البرازيل. اضافة الى المشاركة في مؤتمرات اخرى دون ان يكون لي بالضرورة مساهمة باي بحث الا انها مفيدة لانها تتعلق بالمواضيع التي ندرسها ولتوسيع افق معرفتنا. وكذلك اشتركت بدورات تدريبية قصيرة. لقد كانت حقاً سنوات غنية وحافلة استطعت فيها توضيب قابلياتي وتنميتها في مجال لم اطرقه سابقاً وهو البحوث الطبية بعد ان كنت سابقاً اكرس جهودي فقط للبحوث البيطرية. وأتذكر ان الدكتور " فرومل " راسلني بعد فترة من الالتحاق بعمل في مكان آخر وقال ما معناه " انه من النادر ان تجد طبيب بيطري يعمل في حقل البحوث الطبية البشرية ".

 
بعض صفات وميزات د. مارت كَوتْيّه كما عرفتها:
 
ليس من اختصاصي تقييم او تحديد صفات مارت وليس هذا من صلب هذه المقالة ، ولكن من خلال معرفتي بها وعملي اليومي معها على مدى سنوات طويلة استطيع ان اذكر قسم من صفاتها الانسانية وعاداتها الاصيلة وحبها لمساعدة الناس. كان ضمن مجموعتنا ، كما قلت اعلاه طبيبة اطفال شابة باحثة ( كلير ولفروم Dr. Claire Wolfrom   ) تعمل في المعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية مع الدكتورة مارت كَوتْيّه فشكلنا نحن الثلاثة فريق عمل متجانس وكنا نلتقي كل صباح لتدارس امور المختبر والبرنامج اليومي ثم نلتقي مرة اخرى في حوالي الساعة العاشرة والنصف او الحادية عشر لتناول القهوة. وفترة شرب القهوة كانت متنفساً للجميع حيث كنا نتبادل المعلومات المتعلقة بالعمل ونتحدث عن مختلف الامور الحياتية و العامة وكانت شخصية مارت القوية وثقافتها  العامة العالية وحبها للمسرح والادب يطغي على تلك الجلسات وقد استفدت كثيراً من حسن اطلاعها ومن تلك المعلومات. وقد علمت ان لها معرفة وثيقة بالكاتب و المسرحي والشاعر الناقد الكبيروالشهير صموئيل بيكيت ( 1989 - 1904 Samuel Beckett )  الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1969 وقد جلبت لي مجموعة لا بأس بها من كتاباته في اللغتين الفرنسية والانكليزية و في مقدمتها مسرحية في انتظار جودو وهي مسرحية كتبها في كلتا اللغتين. لقد كان الكاتب بيكيت يكتب بنفسه مؤلفاته في كلتا اللغتين وهذا يعني انها ليست مترجمة وهذا شيء نادر ولا اعرف له مثيل عند الكتاب. وقد رجوت " مارت " الحصول على توقيعه على احدى نسخ في انتظار جودو ولكن صحة الكاتب في ذلك الوقت كانت للأسف متدهورة و يرقد في المستشفى فلم احصل على التوقيع.  علماً انني كنت قد شاهدت المسرحية في بغداد في اوائل الستينات او بداية السبعينات على ما اذكر وقد قدمتها فرقة الفن الحديث ومثل فيها الفنان سامي عبد الحميد او صلاح القصب.
 
 وفي كل يوم تقريباً وبعد الانتهاء من العمل تصر مارت على ايصالنا ( انا والباحثة الشابة كلير ) بسيارتها الى اقرب نقطة لاماكن سكنانا. وعادة كانت تمر علينا ، نصف ساعة قبل تركها العمل ، لتنبئنا عن قرب المغادرة كي نتهيأ للذهاب معها ان كنا نرغب بذلك. واتذكر انها في بعض المرات ، عندما يكون الوقت متأخرا مساءً ، تصر علينا بالتوقف عن العمل واخذنا معها في السيارة قائلة " العمل لا ينتهي ابداً حتى وان بقينا نعمل الى الصباح الباكر ". وقد كانت كريمة معنا حيث دعتني مع بعض الزملاء الى منزلها عدة مرات و في بداية عملي معها دعتني مع استاذ آخر وزوجته لتناول العشاء بمناسبة عيد ميلادي .

من صفاتها الجيدة انها كانت لا تتردد في مساعدة الاخرين وقد زودتني باسماء وعناوين اشهر الاخصائيين من الاطباء ذوي الكفاءات العالية ، في مناسبات عدة ، عندما كنت بحاجة الى ذلك وزودتني  برسائل توصية وهذا ما حدث ايضاً لخطيبتي ( زوجتي الحالية ) حيث زودتنا برسالة الى احد اشهر وابرع الجراحيين في المفاصل وقد اجرى لها عملية ناجحة جداَ ( بعد ان اخفق جراح سابق في ذلك ).
 
كانت الدكتورة مارت كَوتْيّه تتبرع بدمها الى المختبر وبشكل دوري  ، وبعد اجراء الفحوصات اللازمة عليه من قبل مركز التبرع بالدم، يُستخلص منه السيرم الضروري لزراعة الخلايا وهذا ما شجعني وشجع الاخرين على الاقدام على نفس الخطوة بالتبرع بالدم. وهذا يعني انها استمرت بالتبرع بالدم طيلة حياتها المهنية . وكان مختبرنا في ذلك الحين احد المختبرات القليلة التي تستخدم سيرم الانسان لزراعة الخلايا البشرية بدلاً من السيرم الحيواني ، وهذا ما يعطي قيمة خاصة للبحوث المقامة بالمختبر على عينات بشرية.
 
كانت الدكتورة مارت كَوتْيّه تحثني على الاشتراك بالمؤتمرات العلمية المتعلقة بحقل دراساتنا وكذلك حضور المحاضرات والدورات التدريبية المتعلقة باحدث الاجهزة وآخر طرق البحث العلمي. وكنا نحضرها جميعاً ان كانت في باريس ، اما اذا كانت في خارج فرنسا فكانت مارت ، ولاسباب اقتصادية ، ترتب الامور بحيث نتناوب فيما بيننا في المشاركة في تلك المؤتمرات . وقد شاركتُ ، في تلك الحقبة ، في العديد من المؤتمرات مما اُثار غيرة بعضهم رغم انهم كانوا يعملون ضمن فريق عمل آخر.
 
كان عام 1990 عاماً حافلاً فهو العام الذي نلت فيه الجنسية الفرنسية وحصلت على شهادة الدكتوراه وهو ايضاً العام الذي خرجت فيه الدكتورة " مارت كَوتْيّه " الى التقاعد بعد بلوغها السن القانونية و بعد ان قدمت انجازات باهرة في عالم الطب والبحوث العلمية ،  لتبدأ حياة جديدة غنية بالهوايات والفعاليات التي تحبها ومنها الرسم والفخار وغيرها. وقبل خروجها الى التقاعد ، اتذكر انها قد استلمت رسالة من مدير المعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية يقترح عليها تكريمها بوسام الشرف ولكنها رفضت ذلك ، وقالت لي في حينها ان هذا التكريم جاء متأخراً.  وبما ان  ( 1990 ) كان العام الاخير  لي ولها  في المختبر ، وكان ايضاً حافلاً بدراسات منجزة واخرى تنتظر اللمسات الاخيرة ،  فقد قررت  " مارت " ان نشارك نحن الثلاثة  ( هي وكلير وانا ) في مؤتمر الجمعية الاوربية لزرع الانسجة بثلاثة بحوث وكانت سفرة علمية واجتماعية رائعة. وقد قُدِمت البحوث الاخرى التي كانت تحت الطبع في مؤتمرات لاحقة في الولايات المتحدة وبولندة.
 
نعمان 

في 27- 01 - 2018
آخر تعديل بواسطة د.نعمان في الأحد يناير 28, 2018 6:03 pm، عدل 2 مرات
صورة
صورة العضو الشخصية
د.نعمان
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
كنز المنتدى ونبعه المتدفق
 
مشاركات: 1451
اشترك في:
الخميس نوفمبر 01, 2012 7:40 pm
  

التالي

العودة إلى البحوث والدراسات والاكتشافات الحديثة في مجال الطب

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر/زوار